قائمة الموقع

المطبخ العالمي يوقف عملياته… شبح المجاعة يلوح مجددًا في غزة

2026-02-28T19:05:00+02:00
آلاف الأسر تعتمد على المطابخ الميدانية لتأمين وجبتها الغذائية اليومية
فلسطين أون لاين

عند حافة خيمة مصنوعة من قماش خفيف، جلست الطفلة بتول العمري على فراش بارد، تمسك بأوانٍ معدنية فارغة، بانتظار وصول "تكية" الطعام التي كانت تقدمها منظمة "المطبخ العالمي المركزي" مجانًا إلى مراكز إيواء نازحي حرب الإبادة الإسرائيلية.

ورغم أن الطفلة البالغة (12 عامًا) شعرت بجوع شديد بعد ساعات صيام طويلة، فإنها لم تكن متيقنة هذه المرة من وصول الطعام إلى عائلتها النازحة، عقب إعلان المنظمة وقف عملها في قطاع غزة.

وأعلنت المنظمة الإغاثية، الجمعة 27 فبراير/ شباط 2026، تعليق عملياتها بسبب القيود المشددة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على معابر القطاع.

وقالت بتول بصوت خافت لصحيفة "فلسطين": "إن لم تأتِ التكية، فلن نأكل اليوم".

وأرجعت المنظمة في بيان لها أسباب وقف عملها إلى الانخفاض الحاد في عدد شاحنات المساعدات الواردة عبر معابر غزة الخاضعة لسيطرة الاحتلال، ما أدى إلى نفاد مخزون المواد الغذائية الأساسية ووقود الطهي.

ويعتمد مئات آلاف الغزيين على وجبات المنظمة و"التكيات" الخيرية التابعة لها في مختلف محافظات القطاع، في ظل ظروف إنسانية قاسية خلّفتها الحرب المدمرة.

ويبدو القلق مضاعفًا لدى بتول؛ فإلى جانب تدمير منزل عائلتها، فقدت والدها محمود العمري (40 عامًا)، الذي استشهد إثر غارة إسرائيلية في الشهر الثاني من الحرب التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وتعيش الطفلة، ذات الملامح البريئة، في مركز إيواء بحي الرمال الشمالي بمدينة غزة، مع والدتها آيات العمري، وشقيقيها نسيم (14 عامًا) وإبراهيم (5 أعوام). وتقول والدتهم لـ"فلسطين": "نحن بلا معيل، ولا مصدر دخل لنا، ونعتمد أساسًا على التكيات والمساعدات الخيرية".

وأضافت الأرملة البالغة (36 عامًا)، وقد بدا الخوف في عينيها، أن زوجها "كان يعمل نجارًا ويوفر احتياجات أسرته بعناء. كنا مستورين الحال ولا نحتاج أحدًا، أما اليوم فلا نجد ما نأكله".

وتتساءل الأم بحرقة: ما ذنب الأطفال حتى يجوعوا هكذا؟ ألم يكتفِ الاحتلال بالمجاعة التي حصدت أرواح الآلاف؟

أمام الخيمة التي تحولت إلى ملاذ أخير للعائلة، تجلس الأم منهكة، تحدق تارة في الأواني الفارغة وتارة أخرى في وجوه أبنائها، مرددة: "ماذا سنفعل إن لم يصل الطعام بعد صيام طويل؟".

وخلال حرب استمرت عامين، ضربت قطاع غزة مجاعة مميتة أودت بحياة آلاف المواطنين، بينهم عدد كبير من الأطفال، جراء منع إدخال المساعدات بشكل منتظم.

وحتى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، والذي أوقف الإبادة الشاملة جزئيًا، لم يسمح الاحتلال بإدخال كميات كافية من شاحنات المساعدات الإغاثية.

في زاوية باردة أمام خيمتها الهشة، بدأت نُهى أبو كرش (46 عامًا) تجهيز أوانٍ معدنية، استعدادًا لملئها، ولو بالقليل من الطعام الذي يسد رمق أبنائها الأربعة المقيمين معها في خيمة داخل أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة.

هذه السيدة، وهي أرملة أيضًا، تعيش مع أبنائها افتقادًا لأدنى مقومات الحياة منذ وفاة زوجها في مايو/ أيار 2025.

وقالت بحزن لـ"فلسطين": "الحرب دمرت حياتنا ومستقبلنا، والجوع ما يزال يحاصرنا".

وأضافت: "لم تقتصر معاناتنا على النزوح بعد تدمير منزلنا، بل واجهنا مجاعة قاتلة كانت وجهًا آخر للحرب، وكادت تحصد أرواحنا".

ولم تنتهِ مأساة العائلة عند الجوع والنزوح؛ إذ تلاحقهم القوارض تحت سقف الخيمة، وتقتحمها لتنهش ما تبقى من طعام قليل، وفق قولها.

وتابعت: "نعيش نزوحًا وجوعًا وحشرات وقوارض… هذه ليست حياة تصلح للبشر".

وزاد قرار وقف عمل المطبخ العالمي من مخاوفها بعودة المجاعة، في ظل أوضاع إنسانية بالغة القسوة يعيشها سكان القطاع.

وبعد تعليق عملياته، حذّر المكتب الإعلامي الحكومي من أن تقليص عدد شاحنات تموين المطبخ العالمي من 25 إلى 5 شاحنات يوميًا يهدد استمرارية تقديم الخدمات الغذائية لآلاف المواطنين.

ويُعد "المطبخ المركزي العالمي" (World Central Kitchen) منظمة غير حكومية تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها، أسسها الطاهي الأميركي من أصل إسباني خوسيه أندريس وزوجته باتريشيا عام 2010، عقب زلزال هايتي، لتقديم مساعدات غذائية طارئة للمتضررين.

وتوسعت المنظمة لاحقًا لتقديم وجبات ودعم للناجين من الكوارث الطبيعية والصراعات، إضافة إلى برامج تدريب تعزز الصمود في مواجهة الأزمات.

وخلال حرب الإبادة، قُتل سبعة من موظفي المطبخ العالمي، بينهم مواطنون من أستراليا وبريطانيا وبولندا، في غارة إسرائيلية استهدفتهم وسط قطاع غزة في الأول من أبريل/ نيسان 2024، ما أدى حينها إلى تعليق أنشطته قبل استئنافها لاحقًا.

كما أكد مركز غزة لحقوق الإنسان، في بيان، أن دخول المساعدات لا يتجاوز 43% من الكميات المتفق عليها، والبالغة 600 شاحنة يوميًا، بينها 50 شاحنة وقود، فيما لم تتعد نسبة إدخال الوقود 15%.

وبفعل الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، ما يزال الناجون في غزة يواجهون تداعيات خطيرة للحرب، من حصار وجوع وتصعيد عسكري مستمر.

اخبار ذات صلة