فلسطين أون لاين

بيانٌ لا يُخيفُ احدا!

في هذا العجالة لا ابحث عن مفارقة لغوية ولا عن نكتة سياسية سوداء، بل عن معنى الوزن في السياسة، لان الفكرة بسيطة الى حد القسوة، فما اكتبه اليوم، وانا الفرد العادي، لا يقل اثرا في ميزان السياسة الدولية عما صدر عن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد اجتماعها اول امس، وهذا ليس لان كلامي قوي، بل لان الكلام الرسمي نفسه بات بلا ثمن.

البيان الصادر عن اللجنة التنفيذية يبدو، من حيث الصياغة، بيانا نموذجيا، فقد اشتمل على عوامل هامة منها الادانة والاستنكار والتحذير والمطالبة، والتأكيد على القانون الدولي، واستدعاء قرارات مجلس الامن، والشكوى من الصمت الدولي، فقد كان كل شيء في مكانه اللغوي الصحيح، لكن المشكلة ان السياسة لا تدار بالقواعد اللغوية، بل بموازين القوى، وهذه الموازين لا تعترف بالنصوص وحدها.

اللافت في البيان انه يتعامل مع الوقائع وكأنها ما زالت في طور التهديد، لا التنفيذ، فالحديث عن "تصعيد خطير" او "انتهاك صارخ" يأتي بعد سنوات طويلة من الضم الزاحف، والاستيطان المتسارع، وتحويل الارض الى امر واقع، فالعالم لم يعد امام نيات اسرائيلية، بل هو امام حقائق ونتائج افعالها، ومع ذلك، لا يزال الخطاب الفلسطيني الرسمي يتصرف كأننا في لحظة ما قبل العاصفة، لا في قلبها او بعدها بعقود.

ثم هناك هذا الايمان شبه المقدس او الطقوسي بمفردات القانون الدولي، فالبيان يكرر ان ما يجري مخالف للقانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية، وكأن هذه القرارات تمتلك الية تنفيذ ذاتية، فالتجربة الطويلة تقول العكس تماما، فالقانون الدولي لا يعمل او ينفذ الا حين تحميه قوة سياسية او ارادة دولية، وكلتاهما غائبتان في الحالة الفلسطينية، ومن ثم تكرار الاشارة الى القرار 2334 او غيره من مئات القرارات الصادرة عن المؤسسات الاممية لا يضيف شيئا جديدا الى طاولة يعرف العالم تفاصيل كل ما عليها، ولكن يحسن تجاهلها.

الاكثر مفارقة او ارباكا هو الجمع بين الشكوى من انحياز الادارة الاميركية والترحيب بخططها والرهان على دورها في آن واحد، فتدان تصريحات السفير الاميركي، ويطالب البيت الابيض بالالتزام بالقانون الدولي، ثم يشاد بخطة الرئيس الاميركي، ويعاد التأكيد على التعاون معها، هذا التناقض لا يربك القارئ فقط، بل يرسل رسالة ضعف، وايما ضعف؟ فنحن نحتج، لكننا لا نملك خيارا خارج الاطار نفسه الذي نشتكي منه.

اما الحديث عن "اجراءات هامة" والتي ستتخذ، سياسيا وقانونيا ودبلوماسيا، فهي العبارة الاكثر استهلاكا في الخطاب الرسمي الفلسطيني لعقود، وعادة ما تأتي بلا جدول زمني ولا مؤشرات، ولا شرح لما تغير عما سبق، لأنها مجرد وعد مفتوح، يصلح لكل مرحلة، ويفقد مع التكرار اي قدرة على الاقناع.

ثم نصل أخيرا الى جوهر المشكلة، فالسياسة الدولية لا تتعامل مع النوايا، كما لا تكافئ الصابرين، ولا تتأثر بالخطابات القانونية او الاخلاقية وحدها، فحين يصدر بيان لا يرافقه تغيير في السلوك، او كلفة قد يدفعها الطرف الاخر، يصبح البيان فعلا داخليا، او للاستهلاك المحلي، وفي هذه الحالة، لا يعود الفرق كبيرا بين بيان لجنة تنفيذية لمنظمة تمثل شعبا تحت الاحتلال، ومقال يكتبه شخص غاضب على صفحته على احد وسائل التواصل الاجتماعي، فكلاهما يعبر ولا يغير.

هذا التشابه المؤلم لا يقلل من عدالة القضية الفلسطينية، بل يكشف عمق ازمتها السياسية، فالمشكلة ليست في صحة المواقف، بل في غياب الادوات التي تجعل لهذه المواقف وزنا وقيمة، وما لم يكسر هذا النمط، سيبقى الكلام، مهما كان رسميا ومنمقا، معلقا في الهواء، بلا اثر، بل وبلا أي خوف لدى من يفترض ان يسمعه.

المصدر / فلسطين أون لاين