قائمة الموقع

العملة الرقمية في غزة… بين كسر أزمة السيولة ومخاطر الوصاية والتسييس المالي

2026-02-26T10:46:00+02:00
عملات رقمية
فلسطين أون لاين

يُثير مقترح إطلاق عملة رقمية مستقرة مرتبطة بالدولار الأمريكي للاستخدام في قطاع غزة جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية، في ظل انهيار النظام المصرفي، وشحّ السيولة النقدية، وتفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية. وبينما يُنظر إلى الفكرة كأداة محتملة لتسهيل المعاملات وتوصيل المساعدات، يحذّر خبراء من مخاطر سياسية وتنظيمية قد تحوّلها إلى مدخل للتسييس أو التحكم المالي.

ما الذي يتضمنه المقترح؟

تداولت تقارير، من بينها ما نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، إشارة إلى دراسة أجراها ما يُعرف بـ“مجلس السلام” حول إمكانية إصدار عملة رقمية مستقرة مدعومة بالدولار في غزة، ضمن تصورات مرتبطة بإعادة بناء الاقتصاد بعد الحرب.

ووفق المقترح، لا يُقصد إنشاء عملة وطنية تقليدية، بل نظام دفع رقمي مرتبط بالدولار يُستخدم عبر محافظ إلكترونية على الهواتف المحمولة، بهدف تسهيل التحويلات المالية، ودفع الرواتب والمساعدات، وتقليل الاعتماد على النقد الورقي في ظل تعطل القطاع المصرفي.

مكاسب محتملة… وتسهيل للمعاملات

يرى مختصون أن أي نظام دفع رقمي منظم قد يسهم في كسر أزمة السيولة، وتسهيل المعاملات اليومية داخل الأسواق، وتسريع وصول المساعدات الإنسانية إلى المستفيدين دون وساطة معقدة.

اقرأ أيضًا: "مجلس السلام" يبحث إطلاق عملة مشفرة في غزة... ومرصد حقوقي يحذر !

ويؤكد د. جلال شيخ العيد، نائب عميد الكلية الجامعية للعلوم والتكنولوجيا للشؤون الإدارية والمالية، أن الفكرة تطرح مزيجًا من الفرص والتحديات، في ظل الانهيار المالي وتراجع دور البنوك في غزة.

نائب عميد الكلية الجامعية للعلوم والتكنولوجيا للشؤون الإدارية والمالية، د. جلال شيخ العيد

ويوضح أن العملة المقترحة ليست بديلًا عن العملات المتداولة، بل نظام دفع رقمي مرتبط بالدولار، يعمل عبر تطبيقات ومحافظ إلكترونية لتسهيل الدفع والتحويل واستلام الدعم المالي.

ويشدد على أن الجهة الأقدر قانونيًا وفنيًا على تنظيم هذا النظام هي سلطة النقد الفلسطينية، معتبرًا أن نجاح المشروع يتطلب إشرافًا وطنيًا واضحًا، ورقابة مستقلة تضمن الشفافية والاستقرار.

كما يلفت إلى أن ربط النظام الرقمي بالمساعدات الدولية عبر مؤسسات مثل الأونروا وبرنامج الأغذية العالمي قد يسرّع عملية توزيع الدعم، ويحد من التسريب والوساطة، ويعزز الشفافية في الصرف.

مخاطر سياسية وتنظيمية

في المقابل، يحذر خبراء من أن غياب إطار قانوني واضح، أو عدم إشراك مؤسسات مالية فلسطينية في الإشراف، قد يحوّل المشروع إلى أداة لتكريس الانقسام الاقتصادي بين غزة والضفة الغربية.

ويشير شيخ العيد إلى مخاطر محتملة، أبرزها احتمال تسييس النظام الرقمي أو استخدامه للتحكم بالأرصدة، إضافة إلى ضعف البنية التحتية للكهرباء والاتصالات، وانتشار الأمية الرقمية، ومحدودية الجاهزية التقنية، فضلًا عن تحديات تتعلق بالأمن السيبراني وحماية البيانات.

ويؤكد أن أي تطبيق ناجح يتطلب احتياطيًا ماليًا مضمونًا، وقوانين تحمي المستخدمين، وآليات رقابية شفافة، وسهولة في الاستخدام، بحيث يكون النظام أداة دعم للاقتصاد الوطني لا مدخلًا للمساس بالسيادة المالية.

تساؤلات حول الإدارة والهدف

من جانبه، يرى عضو نقابة الاقتصاديين يزيد الناظر أن الفكرة قد تكون قابلة للتطبيق تقنيًا في بيئة تعاني من نقص حاد في السيولة، لكنها تظل مرتبطة بسياق سياسي معقد يفرض أسئلة جوهرية حول الجهة المشرفة وأهداف المشروع.

عضو نقابة الاقتصاديين، يزيد الناظر

ويوضح الناظر أن المقترح لا يتضمن إصدار عملة تقليدية، بل إنشاء نظام دفع رقمي مستقر مرتبط بالدولار، إلا أن الغموض يحيط بآلية الإدارة ومدى استقلاليتها وشفافيتها.

ويحذر من أن استبعاد السلطة الفلسطينية أو أي مؤسسة نقدية محلية من عملية التنظيم قد يعمّق الانقسام الاقتصادي بدل أن يساهم في ترميمه، إضافة إلى احتمال ظهور آثار غير مقصودة مثل تغيّر القوة الشرائية أو اتساع الفجوة الرقمية بين الفئات الاجتماعية.

اقرأ أيضًا: ماذا يعني تدشين "عملة رقمية" في غزة؟ محلل اقتصادي يوضح

كما يشير إلى تحديات عملية بارزة، منها ضعف البنية التحتية، وغياب إطار تشريعي واضح، واستمرار القيود المفروضة على حركة السلع والتجارة، ما قد يحد من الأثر الاقتصادي الفعلي لأي نظام دفع رقمي جديد.

خلاصة المشهد

بينما يُطرح مشروع العملة الرقمية في غزة كأحد التصورات المطروحة لإدارة الأزمة المالية وتسهيل المعاملات والمساعدات، يبقى نجاحه مرهونًا بوجود إشراف مؤسسي واضح، وضمانات قانونية، وتوافق سياسي واقتصادي يحمي النظام من التوظيف أو الاستغلال.

وفي ظل الظروف الراهنة، تبدو الفكرة أقرب إلى اختبار اقتصادي وسيادي معقّد، تتداخل فيه الاعتبارات التقنية مع الأبعاد السياسية، ليظل السؤال الأبرز: هل تكون العملة الرقمية أداة إنقاذ اقتصادي أم مدخلًا لترتيبات جديدة أكثر تعقيدًا؟

اخبار ذات صلة