قائمة الموقع

الاحتلال يقضم "الوصاية" فهل يتخلى عنها الأردن؟

2026-06-04T09:33:00+03:00
الأقصى القدس
فلسطين أون لاين

يشهد المسجد الأقصى موجة اعتداءات متصاعدة، في ظل رعاية رسمية من حكومة الاحتلال، ففي الأشهر الماضية من عام 2026، أغلقت سلطات الاحتلال المسجد لأربعين يومًا، وصعدت من الاعتداء على مكوناته البشرية، وفرض القيود المختلفة أمام أبوابه، وسط تصاعد محاولات إدخال القرابين الحيوانية إلى الأقصى، واستمرار الاقتحامات شبه اليومية، وما تشهده من أداءٍ علنيّ للطقوس اليهودية، والتي باتت تؤدى في مواضع أخرى من المسجد إلى جانب الساحات الشرقية، إلى جانب الرقص والغناء، ومن ثمّ رفع أعلام الاحتلال بكثافة وأداء المستوطنين للطقوس العلنية بمشاركة ساسة الكيان، ما يؤكد دخول الأقصى في مرحلة "حسم" هويته، في ظل سعيّ محموم من مستويات الاحتلال لتثبيت الوجود اليهودي داخل المسجد بشكلٍ نهائيّ.

وفي مقابل هذا الصلف الصهيونيّ، وغياب ردود الفعل الحقيقيّة والفاعلة من مختلف الشرائح والجهات والدول تجاه العدوان على القدس والأقصى، ننظر بعين الريبة إلى "ضمور" الدور الأردني في الإشراف على المقدسات، والتي تُعرف بمصطلح "الوصاية" على المقدسات في مدينة القدس، ففي ظل تصاعد العدوان على الأقصى واستهداف العنصر البشري الإسلامي الذي يُشكل عصب حماية المسجد، تقضم سلطات الاحتلال كل أدوات الدور الأردني، وتحاصر دائرة الأوقاف الإسلامية، حتى باتت أقرب ما يكون للهيئة الاعتبارية، التي لا تملك أي أدواتٍ فاعلة على أرض الواقع، بالتوازي مع انسحابٍ رسميّ أردنيّ شبه كامل، ففي ظل تصاعد استهداف الدائرة و"الوصاية" من خلفها، هل يتخلى الأردن عن دورها التاريخيّ؟

تكميم أفواه داخليّ!

بعيدًا عن التسلسل التاريخي للدور الأردني في الأقصى، وكيف ترسّخ هذا الدور من خلال العديد من الاتفاقيات والتفاهمات، من المهم تسليط الضوء على عددٍ من المحطات التي أظهرت تراجع حضور هذا الدور، فقد شكل عام 2019 محطة مفصلية في تصاعد العدوان على الأقصى، وكانت أولى مظاهرها استمرار اقتحامات الأقصى خلال الأعياد اليهوديّة ولو تزامنت مع الأعياد الإسلاميّة، وعلى الرغم من المخاطر الكبيرة التي كشفتها هذه السياسة الجديدة، وما تبعها من تفشي أداء الطقوس اليهوديّة العلنية في ساحات الأقصى، فإن دائرة الأوقاف حينها اتخذت إجراءاتٍ وصفها المراقبون بأنها كارثية، وتتساوق مع أهداف الاحتلال، ففي شهر تموز/ يوليو 2020 أصدر مدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس عزام الخطيب تعميمًا يمنع من خلاله "نشر أي خبرٍ يتعلق بأوقاف القدس عمومًا أو أخبار المسجد الأقصى بشكل خاص إلا بإذن خطي منه"، وهو قرار ما زالت انعكاساته مستمرّة حتى اليوم.

وبعد مضي نحو ست سنوات من هذه التعميمات، وفي ظل تصاعد الاعتداءات التي تعرض لها الأقصى، وصلت إلى حد محاولة إدخال القرابين الحيوانيّة إلى الأقصى، ونثر الخبز المغمس بالخمر داخل ساحة مصلى قبة الصخرة داخل الأقصى، لم يعد لدائرة الأوقاف أي صوتٍ في مواجهة هذه الانتهاكات، بل أصبح العديد منها يُكشَف من خلال شهود عيان من المرابطين في الأقصى، وفي أحيانٍ كثيرة من خلال منشورات المنظمات المتطرفة، تتفاخر من خلالها بما حققته من إنجازاتٍ وعدوان، والواقع أن سياسة تكميم الأفواه التي تُمارس ضد موظفي الأوقاف، انتقلت إلى الاحتلال، الذي بدوره صعّد من عدوانه على الحراس، وقد شجعه على ذلك عدم قيام الأوقاف ومن خلفها الأردن بأي محاولات لصدّ هذه الإجراءات، وهو ما أسهم في التغطية على جرائم الاحتلال داخل الأقصى، وتكبيل موظفي الدائرة.

حراس الأقصى: الاستهداف الممنهج وتجريد الصلاحيات

وفي سياق متصل باستهداف أدوات دائرة الأوقاف، ما يتصل بالتضييق الممنهج على حراس المسجد الأقصى، بهدف تحجيم دورهم وصلاحياتهم بشكل متدرج، فبعد أن كان الحراس يتمتعون بما يُشبه "الحصانة"، تُمكّنهم من التصدي للاقتحامات وعرقلة الطقوس اليهودية، قلّص الاحتلال هذه الحصانة تدريجيًا، مانعًا الحراس من الاقتراب من المقتحمين بأي شكل، وقد استُهدف حراس الأقصى ابتداءً بمنعهم من الاقتراب من المقتحمين، ومن ثمّ حددت شرطة الاحتلال مسافة 200 متر تفصلهم عنهم، وصولًا إلى حظر اقترابهم من الاقتراب من المقتحمين نهائيًا.

وتزامن هذا التهميش مع تصعيد القمع المباشر من خلال الاعتقالات المتكررة من داخل المسجد، والاعتداءات الجسدية والنفسية، وإصدار قرارات إبعاد متكررة، وصولاً إلى الحبس وهدم المنازل، ورغم خطورة هذا الاستهداف المتواصل، اقتصرت ردة الفعل الأردنية الرسمية على بيانات التنديد والاستنكار، من دون أي تحرك عملي رادع على الأرض. إضافةً إلى ما سبق، تعمد الاحتلال إحداث نقص حاد في الكادر البشري، حيث تفرض سلطات الاحتلال حظرًا على تعيين أي حراس جدد من قبل دائرة الأوقاف، وتعتدي على أي دفعة جديدة وتمنعها من دخول المسجد لمزاولة عملها، كما حدث مع الحراس الذين عُينوا أواخر عام 2021.

وتُشير مصادر مقدسية إلى أن عدد حراس المسجد لا يتجاوز 160 حارسًا، وهو رقم لا يتناسب إطلاقًا مع مساحة المسجد والمخاطر المحدقة به، ويشهد هذا العدد في الفترة الماضية تناقصًا حادًا، نتيجة بلوغ البعض سن التقاعد، أو عدم قدرة البعض الآخر على الوصول إلى المسجد، وخاصة من الضفة الغربية المحتلة. وفي هذا الإطار كشفت مصادر مقدسية بأن سلطات الاحتلال أبلغت دائرة الأوقاف بإلغاء تصاريح موظفيها الذين يأتون من الضفة الغربية المحتلة، وهم 30 موظفًا من المستوى الإداري، إضافةً إلى عشرات المعلمين في مدارس الأوقاف، وذلك ابتداءً من شهر حزيران/يونيو الجاري. ووصل عدد الموظفين الذين أبعدتهم سلطات الاحتلال خلال الفترة الماضية، إلى نحو 57 موظفًا، من بينهم 34 حارسًا، وأبلغت سلطات الاحتلال بعض المبعدين بمنعهم من العودة إلى الأقصى بشكلٍ كامل لوجود "ذرائع أمنية".

شلل إداري كامل ومصادرة المهام الأساسية

رسخت سلطات الاحتلال في السنوات الماضية التدخل في عمل دائرة الأوقاف، فإلى جانب استهداف الحراس والموظفين، تعرقل أي عمليات لعمارة المسجد وصيانة مرافقه، فإلى جانب منع دائرة الأوقاف من تنفيذ عددٍ من مشاريع العمارة الضرورية للمسجد الأقصى، تعرقل سلطات الاحتلال أي أعمال صيانة تتم داخل المسجد، وتهدد موظفي لجنة الإعمار القائمة على هذه المشاريع بالاعتقال والإبعاد، إلى جانب توفير الحماية اللازمة لعناصر "سلطة الآثار" الإسرائيلية الذين يقتحمون المسجد، ويعملون على معاينة ما تقوم به لجنة الإعمار من ترميمات وأعمال صيانة مختلفة.

ومنذ بداية شهر تموز/يوليو 2023، منعت سلطات الاحتلال دائرة الأوقاف من تنفيذ أي عمليات ترميم داخل المسجد الأقصى، وبحسب المدير العام لدائرة الأوقاف الإسلامية فقد منعت قوات الاحتلال لجنة إعمار المسجد الأقصى من العمل في ترميم المسجد، وهدّدت موظفي اللجنة بالاعتقال إذا باشروا أعمالهم، ولم يقف المنع عند الموظفين فقط، بل شمل منع إدخال أي مواد ضرورية لعمليات الصيانة والترميم. وبحسب مدير دائرة الأوقاف في القدس المحتلة عزام الخطيب بدأت هذه الإجراءات في 2/7/2023، إذ منعت شرطة الاحتلال موظفي اللجنة من القيام بأعمالهم.

وفي سياق متصل بعمل الدائرة، كشفت مصادر صحفيّة نقلًا عن أحد مسؤولي الدائرة أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرضت في الآونة الأخيرة تقييدًا كاملًا، ما أدى إلى إصابة بشللٍ تام، وبحسب هذه المعطيات تمنع حكومة الكيان موظفي الأوقاف من أداء مهامهم الأساسية، بما في ذلك أعمال الصيانة البسيطة كتركيب زجاج الأبواب، أو حتى إزالة الأعشاب الجافة، والتي ازداد حجمها بشكلٍ كبير، على أثر إغلاق الأقصى لنحو 40 يومًا، ومع عودة الحرّ جفت هذه الأعشاب، وهو ما يُنذر بخطر اندلاع حرائق، وامتدّ هذا التدخل إلى المهام الأساسية لموظفي الدائرة، فقد منعت حراس المسجد من فتح الأبواب إلا بإذن مسبق من شرطة الاحتلال، إلى جانب التدخل في لباس الحراس وأماكن وجودهم.

مساعٍ لتصفية الدور الأردني والهوية الإسلامية

تُشير هذه التطورات إلى سعي حثيث لدى الاحتلال إلى تقليص حضور دائرة الأوقاف، وصولًا إلى إنهاء دورها كاملًا، ويتقاطع ما أوردناه في المقال مع ما نشره موقع "ميدل إيست آي" (Middle East Eye)، عن حصوله على معلومات بأن الولايات المتحدة ودولة الكيان تسعيان إلى تجريد الأردن من دوره التاريخي في المسجد الأقصى، في سياق التحضير لترتيبات جديدة تخدم مصالح الاحتلال. وبحسب الموقع تتضمن الخطة، إنهاء سلطة دائرة الأوقاف الإسلامية بشكلٍ كامل، واستبدالها بهيئة جديدة تُعلن الأقصى "مركزًا متعدد الأديان"، ويهدف هذا المخطط إلى فتح المجال أمام المستوطنين لتكثيف حضورهم في المسجد، وما يتصل بهذا الحضور من أداء الطقوس العلنية والمظاهر التهويديّة الأخرى.

ولا تقف الخطة عند حجم الحضور الاستيطاني فقط، حيث تشمل منح الاحتلال نفوذًا واسعًا للتحكم في الأقصى، إن من خلال تعيين الأئمة، أو عبر التحكم بمضامين خطب الجمعة، وما يتصل بالشخصيات التي ستشغل هذه المواقع، ما يعني ترسيخ الاحتلال متحكمًا فعليًا في كل شؤون المسجد، وإقصاء الهوية الإسلامية الخالصة للمسجد. وأشار الموقع إلى أن الخطة الأمريكية ستحاول إيجاد مظلة عربية للمشاركة في "الإشراف" على المسجد، حيث تضمنت الخطة منح دولٍ عربية بعينها دورًا ولكن بالتناوب، مع عدم إيراد المزيد من التفاصيل في هذا السياق.

هل يتخلى الأردن عن دوره في الأقصى؟

وفي ضوء هذه المعطيات المتسارعة والمقلقة، تبدو الإجابة عن سؤال "هل يتخلى الأردن عن الوصاية؟" بالغة التعقيد. فإن كانت هناك رؤية أردنية للانسحاب طوعياً، فهذا يعني فقدان عمّان لواحدة من أهم أوراق القوة التي تمتلكها، وتقديم الأقصى والمقدسات للاحتلال على طبق من فضة. وإن استمر الدور الأردني في المراوحة، على غرار ما يجري في الأشهر الماضية، فهو يفتح المجال أمام الاحتلال لفرض أمر واقع يفرّغ هذا الدور من مضمونه الفعلي.

إن الصمت الرسمي والاكتفاء ببيانات التنديد، بالتوازي مع المساعي الأمريكية الإسرائيلية لخلق هياكل إدارية بديلة، يؤسس لمرحلة يُستبعد فيها الأردن ميدانياً. وبالتالي، فإن أي تساوق أردني مع أطروحات الاحتلال والولايات المتحدة، دون إحداث تغيير جذري وحقيقي في آليات الرد، يُعدّ تخلياً ضمنياً عن الوصاية. وهذا يفرض على الأردن دورًا محوريًا يتمثل في تبني استراتيجية سياسية وميدانية حاسمة، تستعيد المبادرة وتحمي ما تبقى من سيادة إسلامية على المسجد الأقصى.

اخبار ذات صلة