يعيش الاقتصاد في الضفة الغربية حالة هشاشة متفاقمة، في ظل تراجع القدرة الإنتاجية وارتفاع معدلات البطالة، بالتزامن مع توترات سياسية وأمنية مستمرة وقيود مشددة على الحركة.
وأدت هذه الظروف إلى انخفاض الإنفاقين الشخصي والحكومي، وانكماش الاستثمارات والتجارة الخارجية، ما انعكس سلبًا على الحياة اليومية للمواطنين وزاد من أعباء المؤسسات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يحذّر خبراء ورجال أعمال من استمرار المؤشرات السلبية، داعين المجتمع الدولي والمؤسسات المحلية إلى التدخل لدعم صمود الاقتصاد وحماية فرص العمل.
طالع المزيد: من الإنتاج إلى التبعية: كيف هندس الاحتلال أزمة الاقتصاد في الضفة الغربية
وقال رجل الأعمال نور الدين جرادات إن القدرة الإنتاجية في الضفة الغربية شهدت تراجعًا ملحوظًا نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية المتوترة، ما أثر سلبًا في مجمل النشاط الاقتصادي.
وأوضح جرادات لصحيفة "فلسطين" أن منع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم أدى إلى انخفاض حجم الإنفاق وتراجع حركة البيع والشراء، في وقت فاقم فيه عدم صرف رواتب الموظفين – بسبب احتجاز أموال المقاصة – من ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين.
رجل الأعمال نور الدين جرادات
وأشار إلى أن الأعباء الاقتصادية المتزايدة تسببت في إفلاس عدد من المؤسسات وتسريح عاملين، مع ارتفاع أعداد الشركات المتعثرة نتيجة عدم قدرة أصحابها على الإيفاء بالتزاماتهم المالية. كما لفت إلى أن صعوبة التنقل بين المحافظات بسبب البوابات العسكرية والإغلاقات تعطل سلاسل التوريد، وتربك مواعيد التسليم، وترفع تكاليف النقل والتخزين، ما يضعف قدرة المنشآت على تنفيذ عقودها ويحد من تنافسيتها.
وبيّن أن غياب التبادل التجاري مع سوق قطاع غزة منذ فترة طويلة حرم المنتجين من منفذ مهم لتصريف بضائعهم، وأسهم في تكدس المنتجات وتراجع المبيعات وتفاقم خسائر المنشآت.
وأكد أن حالة الركود الممتدة دفعت العديد من المستثمرين إلى تجميد خطط التوسع أو تأجيلها، ما قلّص فرص العمل الجديدة، داعيًا المؤسسات المانحة إلى إيلاء اهتمام أكبر لدعم القطاع الخاص والعاملين فيه.
ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، لم تُجدّد سلطات الاحتلال نحو 140 ألف تصريح عمل، ما أدى إلى فقدان أحد أهم مصادر دخل الفلسطينيين. ووفق بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني، بلغ معدل البطالة في الضفة الغربية بين المشاركين في القوى العاملة 27.5% في الربع الرابع من عام 2025، فيما بلغ إجمالي نقص الاستخدام للعمالة 30%، بحسب معايير منظمة العمل الدولية.
من جهته، عبّر همام – أحد الموردين – عن مخاوفه من تداعيات الوضع الاقتصادي على أعماله، مشيرًا إلى قلقه من عدم تحصيل مستحقاته المالية، ما يهدد قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه العاملين والشركات المورّدة.
وأوضح لـ«فلسطين» أنه يقدّم خدماته للسلطة الفلسطينية، وأن التزاماتها المالية مرتبطة بأموال المقاصة المحتجزة لدى الاحتلال الإسرائيلي، ما يزيد من المخاطر المالية التي يواجهها. وأعرب عن خشيته من عدم قدرة الشركات على الاستمرار، ومن التأثير المباشر على العمالة، الأمر الذي قد يفاقم الركود ويزيد الضغط على القطاع الخاص.
وطالب مؤسسات القطاع الخاص بأداء دور أكثر فاعلية في تمثيل أعضائها والدفاع عن مصالحهم، وتوحيد جهودها لتجاوز أي خلافات داخلية.
بدوره، قال محمد سلامة، خبير استراتيجيات إدارة المخاطر والتحوط، إن مكونات الناتج المحلي الإجمالي تتمثل في الإنفاق الحكومي، والإنفاق الشخصي، والاستثمار، والتجارة الخارجية، مؤكدًا أن جميعها تتأثر مباشرة بالأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة.
محمد سلامة خبير استراتيجيات إدارة المخاطر والتحوط
وأشار إلى أن الإنفاق الحكومي مرشح للتراجع إذا استمرت الأزمة، خاصة أن الجزء الأكبر منه يذهب إلى الرواتب والنفقات الإدارية. كما توقع انخفاض الإنفاق الشخصي، خصوصًا لدى من فقدوا أعمالهم، ما يؤدي إلى تراجع الطلب على السلع والخدمات.
ونوّه إلى أن الاستثمار الخارجي سيتأثر بشدة نتيجة ارتفاع مستوى المخاطر، ما يحد من تدفق رؤوس الأموال ويقلص فرص العمل ويخفض الإنتاج. كما أن تراجع التجارة الخارجية سيؤدي إلى انخفاض الطلب على السلع، لا سيما الكمالية منها، ما ينعكس مباشرة على الناتج المحلي الإجمالي.
وأكد سلامة أن انكماش الناتج المحلي سيؤدي إلى تراجع مستوى معيشة الفرد، واتساع شريحة الفقراء، بحيث يزداد الفقير فقرًا، فيما تبقى فئة محدودة قادرة على التكيّف مع الواقع.
وأضاف أن الاقتصاد الفلسطيني كان يعتمد أساسًا على قطاعي الزراعة والسياحة، إلا أن تفعيلهما مجددًا ما يزال متعذرًا بسبب القيود الأمنية والعسكرية والعراقيل المفروضة، إضافة إلى تهميشهما خلال فترات سابقة، ما يقيّد فرص التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة.