قائمة الموقع

قراءة اقتصادية في واقع غزة

2026-05-26T08:19:00+03:00
فلسطين أون لاين

في خضم الأزمات المتلاحقة التي يعيشها قطاع غزة، تبرز عبارة "نفرّ من قدر الله إلى قدر الله" كمدخل عميق لفهم السلوك الاقتصادي والاجتماعي للسكان في مواجهة واقع قاسٍ ومعقّد. هذه العبارة، التي تحمل في طياتها إيمانًا بالحتمية والاختيار في آنٍ واحد، تعكس حالة الانتقال المستمر من أزمة إلى أخرى، ومن ضيق إلى ضيقٍ مختلف، في محاولة للبقاء لا أكثر.

اقتصاد غزة اليوم ليس اقتصادًا تقليديًا تحكمه قواعد العرض والطلب بقدر ما هو اقتصاد نجاة (Survival Economy)، حيث تتشكل الأنشطة الاقتصادية بناءً على الضرورات اليومية لا على الخطط طويلة الأمد. فالتاجر، والعامل، وصاحب المشروع الصغير، جميعهم يفرّون من قدر الانقطاع إلى قدر البدائل؛ من انعدام الوقود إلى استخدام الطاقة البديلة، ومن شح البضائع إلى إعادة تدوير المتاح، ومن البطالة إلى العمل غير المنظم أو المؤقت.

في هذا السياق، يصبح "الهروب" ليس ضعفًا، بل استراتيجية تكيف. فالمواطن في غزة لا يملك رفاهية الانتظار أو التخطيط بعيد المدى، بل يتنقل بين خيارات محدودة، كلٌّ منها يحمل تحدياته الخاصة. فالدليفري الذي كان يعتمد على الدراجات النارية أصبح اليوم يعتمد على الدراجات الهوائية، ليس تطورًا، بل تراجعًا اضطراريًا، لكنه في الوقت ذاته يعكس مرونة وقدرة على الاستمرار.

كما أن الأسواق نفسها تعيش حالة من "الانتقال القسري"، حيث ترتفع الأسعار ليس فقط بسبب نقص العرض، بل أيضًا نتيجة سلوكيات احتكارية أو محاولات لتعويض خسائر سابقة. وهنا يظهر نوع آخر من "الفرار"؛ فرار التاجر من الخسارة إلى رفع السعر، وفرار المستهلك من الغلاء إلى تقليل الاستهلاك أو البحث عن بدائل أقل جودة.

أما على مستوى المؤسسات، فإن العديد منها يفرّ من التوقف الكامل إلى العمل الجزئي، ومن المشاريع الكبرى إلى المبادرات الصغيرة، ومن التمويل الدولي إلى الاعتماد على الموارد الذاتية المحدودة. وهذا التحول يعكس هشاشة البنية الاقتصادية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن قدرة كامنة على التكيف وإعادة التشكيل.

غير أن هذا "الفرار المستمر" يحمل في طياته مخاطر كبيرة، أبرزها استنزاف الموارد، وتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع جودة الحياة. فحين يصبح كل خيار هو هروب من الأسوأ إلى السيئ، فإن الأفق الاقتصادي يضيق، وتغيب فرص النمو الحقيقي.

ختامًا، فإن عبارة "نفرّ من قدر الله إلى قدر الله" ليست مجرد تعبير ديني أو فلسفي، بل هي توصيف دقيق لحالة اقتصادية يعيشها قطاع غزة يوميًا. إنها دعوة للتأمل في كيفية تحويل هذا "الفرار" إلى مسار أكثر استقرارًا، من خلال دعم المبادرات المحلية، وتعزيز الشفافية في الأسواق، والسعي نحو سياسات اقتصادية أكثر عدالة واستدامة.

فربما يكون الفرار قدرًا، لكن الاتجاه الذي نختاره أثناء هذا الفرار هو ما يصنع الفرق.

اخبار ذات صلة