فلسطين أون لاين

تقرير وعود الترفيه تصطدم بواقع الدمار.. النازحون: نريد إعمارًا لا استثمارًا

...
خيام النازحين في غزة
غزة/ أدهم الشريف

أمام خيمة مهترئة تلتصق بها طبقات الغبار داخل مركز لإيواء نازحي الحرب، يجلس ماهر الصواف، على كرسي صغير، يتبادل أطراف الحديث مع أفراد عائلته، بينما تمر على مسامعه تصريحات متكررة عن تحويل غزة إلى "ريفيرا" ساحلية، وبناء ملاعب ومنتجعات ومرافق ترفيهية حديثة.

عندما يسمع الكلام، يهز رأسه بصمت، ثم يقول: "قبل الملاعب.. أعيدوا لنا بيوتنا".

في قطاع غزة المُدمر، يعيش النازحون منذ أشهر طويلة بين خيام ومدارس ومبانٍ مدمرة جزئيًا، بعد أن سوَّت العمليات العسكرية لجيش الاحتلال أحياءً سكنية كاملة بالأرض. وقد اختفت مناطق بكاملها من الخارطة العمرانية وتحولت إلى مساحات من الركام والرمال، فيما لا تزال أعمال إزالة الأنقاض محدودة، وملف الإعمار يراوح مكانه.

ورغم الواقع المؤلم جراء الحرب المدمرة التي شنها جيش الاحتلال في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واستمرت عامين، تتكرر بين الحين والآخر تصريحات تتحدث عن مشاريع مستقبلية كبرى: ملاعب دولية، كورنيش حديث، مناطق سياحية، واستثمارات لتحويل الشريط الساحلي إلى وجهة جاذبة.

لكن هذه الرؤية، كما يقول نازحون، تبدو بعيدة تمامًا عن أولوياتهم الحياتية.

الصواف البالغ (51 عامًا)، والذي فقد 3 منازل كان يملكها قبل الحرب، قال وهو يقف أمام خيمته المهترئة: "أفراد أسرتي يسألوني متى سيُعاد إعمار منازلنا، ولا يسألون عن ملعب ولا عن بحر أو كورنيش".

"إعادة بناء منازلنا التي دمرها الاحتلال، هذا ما نريده ونتطلع إليه"، قال لـ "فلسطين أون لاين" وهو يُشير إلى مساحة الخيمة التي لا تتجاوز أمتارًا قليلة، مضيفًا أن قسوة الحياة تحت الخيام "أنهكت الجميع نفسيًا وجسديًا".

اقرأ أيضًا: تمويل غزة بين التعهدات والرقابة… من يدير أموال الإعمار؟

وكان الصواف، الذي يُعيل زوجته وأبنائه الأربعة، يملك 3 منازل قبل حرب الإبادة، الأول يقع في حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، والثاني في شارع النفق، شمالي المدينة، أما الثالث كان في بلدة المُغراقة التي مسحها الاحتلال بالكامل، وسط القطاع الساحلي.

وتُفيد معطيات رسمية أن جيش الاحتلال دمر خلال حربه قرابة 90 بالمئة من البنية العمرانية في القطاع، ويسيطر على أكثر من نصف مساحته البالغة 365 كيلومترًا مربعًا، خلف ما يعرف بـ"الخط الأصفر".

في خيمةٍ أخرى أقيمت بجوار مكب نفايات اليرموك، وسط مدينة غزة، يعيش فادي صبح البالغ (30 عامًا)، مع زوجته وطفلتهما الوحيدة نسرين (11 عامًا).

وكان جيش الاحتلال دمر منزل عائلة هذا الشاب، الذي كان مكونًا من 3 طوابق في بلدة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، ولم يجد مأوى آخر سوى خيمة لا تقي زوجته وطفلته حر الصيف ولا لسعات برد الشتاء وأمطاره الغزيرة.

وقال لـ"فلسطين أون لاين": إن "الاحتلال لم يكتفِ بتدمير منزلنا، بل إنه يمنعنا من الوصول إلى منطقة سكننا"، في إشارة إلى المنطقة الواقعة خلف "الخط الأصفر"، وقد صار مصير كل من يحاول الاقتراب منه الموت المحتم، جراء إطلاق آليات الاحتلال وأبراجه العسكرية ومسيَّراته التي تحوم في الأجواء نيرانها باستمرار صوب المدنيين.

اقرأ أيضًا: خرائط إعادة الإعمار أم مشروع سيطرة؟.. قراءات فلسطينية تحذّر من أهداف "غزة الجديدة"

بالقرب من حاوية نفايات ضخمة مجاورة لمركز الإيواء الذي يعيش فيه أكثر من 800 عائلة، يجتمع صبح مع عدد من أقاربه وآخرين من سكان الخيام، يتابعون الأخبار عبر هاتف محمول.

يعلّق ساخرًا: "سنلعب كرة القدم بين الركام إذًا؟"، يرد آخر بنبرة أكثر حدة: "نريد سقفًا يحمي أطفالنا أولاً".

يتفق صبح على أن الترفيه مهم، لكن ليس في ظِل الدمار الكبير الذي طال منازل المواطنين، وأفقدهم الحد الأدنى من مقومات الحياة الآدمية.

يضيف: "النفايات في كل مكان، تُصدِّر إلينا الحشرات والآفات فيما تهاجمنا الكلاب الضالة ليلاً.. هذه ليست حياة آدمية، نريد إعمار منازلنا المدمرة".

المعاناة التي يواجهها الصواف وصبح، هي ذاتها التي يعيشها النازح كريم عليان (41 عامًا) مع 10 أفراد من عائلته تحت سقف خيمة هشَّة في مركز للإيواء، منذ أن دمر جيش الاحتلال منزله في حي تل الهوا، جنوب مدينة غزة.

يبدو عليان (41 عامًا)، يائسًا من تكرار التصريحات الدولية حول تحويل غزة إلى منطقة حضارية ضمن مشاريع الاعمار. يقول لـ"فلسطين أون لاين": نسمع كثيرًا لكن لا نرى أفعال. فهي (الجهات الدولية) لم تتمكن من إدخال كميات كافية من المساعدات، فكيف ستتمكن من إعمار منازلنا".

أما عن التلويح ببناء ملاعب وأماكن ترفيهية، يعتقد عليان أنها ضمن مشاريع استثمار مستقبلية، لكن الأهم بالنسبة له، إعمار ما دمره الاحتلال، وإيجاد مساكن للمدمرة منازلهم بدل الخيام التي تهاجمها الحشرات والقوارض، وتفتك بسكانها.

يضيف: نحن نريد أماكن ترفيه، وملاعب تُخرِّج أجيالاً من اللاعبين والرياضيين، لكن الأهم الآن بناء منازلنا".

في نفس الوقت، يؤكد مختصون في الشأن العمراني، أن إعادة إعمار البنية السكنية يجب أن تتصدر أي خطة تنموية، باعتبار أن الاستقرار السكني هو الأساس الذي تُبنى عليه بقية القطاعات، فبدون مساكن آمنة، لا يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي أو اجتماعي حقيقي.

لكن مع استمرار تواجد جيش الاحتلال في القطاع، يبقى الإعمار حلمًا مؤجلاً تحت وطأة السيطرة العسكرية بقوة النيران واستمرار عمليات النسف والتدمير.

ودمر جيش الاحتلال في عام 2025 لوحده، 106,400 وحدة سكنية كليًا، و66,000 وحدة بشكل بالغ غير صالح للسكن، وتضرر بفعل عدوانه 41,000 وحدة جزئيًا، ما تسبب بتشريد أكثر من 213,000 أسرة، وفق معطيات أوردها بيان صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي، وذلك عدا عن عمليات التدمير الواسعة التي نفذها الاحتلال في 2023، و2024.

المصدر / فلسطين أون لاين