بينما لا تزال أصوات المدافع تُسمع في الأفق، وتلال الركام تغطي مساحات واسعة من قطاع غزة، يبرز مشهد يثير الحيرة والتساؤل: افتتاح مراكز تجارية ضخمة (مولات) تتلألأ أضواؤها وسط عتمة القطاع. كيف يغامر رأس المال في بيئة محفوفة بالمخاطر؟ وماذا تعكس هذه الظاهرة عن طبيعة الاقتصاد الغزيّ في زمن الأزمات؟
أولاً: لماذا تزداد المولات رغم السوء الاقتصادي؟
قد يبدو الأمر "انتحاراً اقتصادياً"، لكن للخبراء والمستثمرين وجهة نظر أخرى تفسر هذا التوسع:
1. هروب الاستثمار من الصناعة إلى الاستهلاك: بسبب الحصار وتدمير المصانع ومنع إدخال المواد الخام، أصبح الاستثمار الإنتاجي (زراعة وصناعة) عالي المخاطر وشبه مستحيل. لذا، يلجأ المستثمرون إلى "الاقتصاد الاستهلاكي" سريع الدوران والربح.
2. اقتصاد الأزمات والسيولة النقدية: تنشأ في الحروب طبقات اقتصادية جديدة (تجار الأزمات، مستفيدو الإغاثة، أو أصحاب السيولة النقدية المخزنة) يبحثون عن قنوات لتصريف أموالهم أو غسلها في مشاريع عقارية وتجارية مرئية.
3. الحاجة إلى "وهم الاستقرار": توفر المولات مكاناً يمنح المواطن شعوراً مؤقتاً بالعودة للحياة الطبيعية، وهي حاجة نفسية واجتماعية تزيد من الإقبال، حتى لو كانت القدرة الشرائية محدودة.
ثانياً: المزايا والعيوب (أثرها على الاقتصاد المحلي)
المزايا (الفرص)
1.خلق فرص عمل:
توفر مئات الوظائف للشباب (باعة، أمن، محاسبين) في ظل بطالة قياسية.
2.تنظيم السوق:
تساهم في توفير سلع متنوعة في مكان واحد وبأسعار قد تكون منافسة أحياناً نتيجة الشراء بالجملة.
3.جذب السيولة:
تحفز المواطنين الذين يملكون مدخرات على إنفاقها، مما يحرك عجلة السوق المحلية.
العيوب (التحديات)
1.تدمير صغار التجار:
تؤدي إلى إغلاق "الدكاكين" والمحلات الصغيرة التي لا تستطيع منافسة العروض الكبرى.
2.اقتصاد استهلاكي غير منتج:
لا تساهم في الناتج المحلي الحقيقي (صناعة/تصدير) بل تعتمد على استيراد السلع واستنزاف العملة الصعبة للخارج.
3.تعميق الفجوة الطبقية:
تبرز مظاهر الرفاهية في وقت يعاني فيه أغلب السكان من الفقر المدقع، مما يولد إحباطاً اجتماعياً.
ثالثاً: ما هو المطلوب من هذه المولات في هذا الوقت الصعب؟
إن المسؤولية الاجتماعية للمولات في غزة يجب أن تتجاوز منطق الربح والخسارة لتصبح "شريكاً في الصمود":
• سياسات سعرية تراعي الأزمة: الابتعاد عن الاحتكار وتحديد هوامش ربح منخفضة جداً على السلع الأساسية كمساهمة وطنية.
• مبادرات تشغيلية: إعطاء الأولوية في التوظيف للمتضررين من الحرب أو الذين فقدوا معيلهم، وعدم الاكتفاء بالاستغلال المهني برواتب متدنية.
• المساهمة في إعادة الإعمار: تخصيص جزء من الأرباح لدعم الصناديق الإغاثية أو ترميم المرافق العامة المحيطة بهذه المولات.
الخلاصة: كثرة المولات في غزة ليست دليلاً على "رفاهية" الشعب، بل هي تعبير عن تشوه اقتصادي فرضه الحصار والحرب، حيث يهرب رأس المال من قطاعات الإنتاج المحطمة إلى قطاع الخدمات المتاح. لكي تكون هذه المشاريع رافعة للاقتصاد وليست عبئاً عليه، يجب أن تتحول من مجرد "صالات عرض للبضائع المستوردة" إلى مؤسسات تدعم صمود الإنسان الغزي والمنتج المحلي.