كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أن مسؤولين يعملون في مجلس السلام في غزة الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يبحثون إمكانية إطلاق عملة مشفرة مستقرة (Stablecoin) في القطاع، وذلك في محاولة لإعادة تشكيل اقتصاد غزة الذي دمرته الحرب الإسرائيلية.
وأوضحت الصحيفة نقلًا عن خمسة مصادر، أن المحادثات بشأن العملة المشفرة ما تزال في مرحلة أولية، مشيرة إلى أن المسؤولين في مجلس السلام ناقشوا فكرة العملة المشفرة المستقرة، نظرا لأن النظام المصرفي التقليدي وأنظمة المدفوعات المعتادة في قطاع غزة تضررت بشدة نتيجة الحرب.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع أنه من المنتظر أن يتم ربط العملة المستقرة في غزة بالدولار، وأن تقوم شركات فلسطينية وخليجية لها خبرة في مجال العملات الرقمية بدعم مشروع العملة المشفرة.
ويقصد بالعملات المشفرة المستقرة نوع من العملات الرقمية المرتبطة قيمتها بعملة ورقية عالمية مثل الدولار.
طالع المزيد: الأورومتوسطي: مخطط لفرض "المحافظ الرقمية" وسحب السيولة من غزة
من جهته، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن مخططات إسرائيلية أميركية تسعى إلى إعادة تشكيل قطاع غزة كحيّز منزوع السيادة المالية، عبر تجريده من العملة النقدية وفرض انتقال قسري إلى نموذج "اقتصاد رقمي" تُمسك مفاتيحه جهات خارجية متحالفة مع "إسرائيل"، بما يحوّل الوصول إلى المال والمعاملات الأساسية من حق أصيل إلى امتياز قابل للسحب، ويجعل الغذاء والدواء والسكن رهائن لقرارات أمنية وتقديرات عسكرية، في إطار هندسة قسرية لإعادة تشكيل الحياة اليومية ودفع السكان نحو مسارات إفقار وتهجير تُدار عبر التكنولوجيا.
وأوضح الأورومتوسطي أنه، وبعد أكثر من عامين من الحصار المالي، صرّح "ليران تانكمان"، رجل الأعمال الإسرائيلي والضابط السابق في أكبر وحدات الاستخبارات الإسرائيلية (وحدة 8200)، والذي ارتبط اسمه بمسار إنشاء وتشغيل "مؤسسة غزة الإنسانية"، خلال فعالية عقدت في واشنطن، أنّ إعادة بناء غزة تتطلب "استعادة اتصالها الرقمي والاقتصادي"، وعرض تصورًا لإنشاء "عمود فقري رقمي آمن" يتيح المدفوعات الإلكترونية والتعليم والخدمات المالية، إلى جانب "نظام لوجستي" على غرار منصات التجارة العالمية الكبرى، كـ"أمازون"، بما يعني نقل الاقتصاد من مساحة الحقوق إلى مساحة التحكم التشغيلي والأمني.
وأكد المرصد الأورومتوسطي أن تقديم "المحافظ الرقمية" كحل تقني لإعادة الإعمار ليس سوى غطاء لمرحلة جديدة من هندسة السيطرة على السكان وتعميق التبعية الاقتصادية لإسرائيل، إذ تقوم على تحويل التكنولوجيا المالية إلى أداة ضبط جماعي قابلة للبرمجة، تسمح بالمراقبة الفورية والتقييد التعسفي والتجميد الانتقائي للأموال، في سياق حصار واحتلال قائمين، ومن دون سيادة فلسطينية على البيانات أو الأنظمة المالية أو شروط التشغيل والاعتراض.
وشدد المرصد الأورومتوسطي على أنّ إخضاع الحق في الوصول إلى الموارد المالية لسلطة أمنية، مباشرة أو غير مباشرة، يفرغ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من مضمونها، ويقوض الحق في الغذاء والكرامة الإنسانية، وينتهك قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر العقاب الجماعي وتجريم السكان ككتلة واحدة، كما يتعارض مع حظر استخدام التجويع كوسيلة حرب، ومع الالتزامات الأساسية بحماية المدنيين وضمان وصولهم إلى احتياجات البقاء.
ونبّه إلى أنّ أي بنية رقمية تفرض تحت الاحتلال أو أي وصاية دولية ومن دون سيادة فلسطينية كاملة على البيانات والأنظمة المالية، ستتحول إلى أداة تحكم وإخضاع جماعي، مذكّرا بأن "إسرائيل" فرضت مرارًا قيودًا تعسفية على التنقل بذريعة أمنية غير مفسرة وغير قابلة للاستئناف، مما يعزز المخاوف من نقل منطق التقييد ذاته إلى الحق في الوصول إلى المال.
وعبر المرصد الأورومتوسطي عن مخاوف جدية من أنّ تأسيس نظام مالي رقمي خاضع لـ "إسرائيل" سيشكل أداة ابتزاز شاملة ضد الفلسطينيين، وبخاصة الصحافيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، إذ يمكن تجميد المحافظ الرقمية بقرار واحد، أو وسم الأفراد بصفات أمنية مطاطة لتعليق وصولهم إلى أموالهم، من دون جهة رقابية مستقلة أو إجراءات واجبة أو وسائل طعن فعالة، بما يعني عمليًا وضع الحق في الغذاء والدواء والسكن تحت رحمة قرار أمني غير خاضع للمراجعة.