خرج الأسير المحرر سعيد الفيري من سجون الاحتلال الإسرائيلي وهو يحمل حلم استعادة حياته الطبيعية، لكنه وجد أمامه واقعًا أكثر قسوة؛ عائلة كبيرة بلا مصدر دخل، ومنزل مفقود، ومسؤوليات تتضاعف في حرب أودت بأفراد من أسرته وأجبرتهم على النزوح المتكرر والعيش في خيام مكتظة.
قبل حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، كان الفيري (41 عامًا) يقيم في بيت لاهيا ويعمل باليومية، ويعيل أسرة مكونة من تسعة أفراد (أربعة أبناء وثلاث بنات). غير أن الحرب لم تكتفِ بتدمير مصدر رزقه، بل خطفت ابنه جمال، الذي كان يبلغ من العمر عامًا ونصف العام.
يقول لصحيفة "فلسطين": "كنا نازحين في مدرسة أبو تمام حينما انهال الرصاص علينا، فأُصيب ابني جمال برصاصة فارق على أثرها الحياة في العشرين من أكتوبر 2024".
ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد. فخلال نزوح آخر للأسرة إلى مدرسة أبو زيتون في مخيم جباليا، وأثناء وقوف سعيد وابنه حسن (18 عامًا) في طابور تعبئة المياه، استهدفت قذائف مدفعية المدرسة، فأصابت شظية عين حسن وأفقدته إياها.
ويضيف الفيري: "ابني بحاجة ماسة إلى العلاج خارج القطاع، وكنا نعمل على إنهاء تحويلته الطبية وتجهيز أوراقه، لكن النزوح من الشمال إلى الجنوب أفقدنا كل ما نملك، بما في ذلك مستندات العلاج. نعيد الآن الإجراءات من البداية، في ظل انعدام العلاج واحتياجه إلى تركيب عين صناعية بأسرع وقت".
ولم تقتصر المعاناة على فقدان الابن والإصابة، بل امتدت إلى الاعتقال. فخلال نزوح الأسرة نحو الجنوب، اعتقلته قوات الاحتلال عند مروره عبر حاجز الإدارة المدنية في 22 أكتوبر 2024، وصادرت ما كان بحوزته من ممتلكات، بينما واصل أفراد عائلته طريقهم دون أي أمتعة.
ويصف تجربة الاعتقال بأنها كانت قاسية ومليئة بالتعذيب وسوء المعاملة، قائلاً: "تعرضنا للتقييد لستة أشهر متتالية، والضرب المبرح، والإهانة، والتجريد من الملابس، وتركنا ساعات طويلة في العراء. كانوا يمنعوننا من معرفة الوقت بتغطية أعيننا ليلًا ونهارًا".
ويضيف: "حاولوا كسرنا نفسيًا، وأخبروني أن جميع أفراد أسرتي استشهدوا. كانت حربًا نفسية لا تقل قسوة عن التعذيب الجسدي".
حياة داخل خيمة… ثلاث أسر تحت سقف واحد
بعد الإفراج عنه في 13 أكتوبر من العام الماضي، عاد الفيري ليجد أسرته تعيش واقعًا أكثر صعوبة؛ نزوح متكرر تجاوز عشر مرات، ومجاعة أثقلت كاهل الجميع، وخيمة واحدة تضم ثلاث أسر.
يقول: "فجعت بخبر استشهاد والدتي، ووجدت أن أسرتي تقيم مع أسرتين أخريين في خيمة واحدة، ليصل عددنا إلى 15 فردًا. قسمنا الخيمة بحواجز قماشية إلى ثلاثة أقسام: قسم لي ولأسرتي، وقسم لحماتي المسنة وشقيق زوجتي من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقسم لفتاتين وشاب من أبناء عمتي الذين نجوا من مجزرة استشهد فيها والداهم".
وبعد مناشدات وجهود من أهل الخير، تمكن من الحصول على خيمة إضافية نصبها لأبناء عمته، لتخفيف الاكتظاظ، لكن الأزمة المعيشية ما تزال قائمة.
فالثلاث أسر تعيش دون أي مصدر دخل أو مقومات حياة أساسية، وتحتاج إلى كل أشكال الدعم؛ من خيام إضافية ومستلزمات للمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، إلى طعام وملابس وأدوات معيشة.
ويختتم الفيري حديثه بنبرة يختلط فيها الصبر بالألم: "نحن نحاول البقاء رغم كل شيء… لكن الحياة في الخيام تحتاج إلى حدٍّ أدنى من الأمان والدعم لنستطيع الاستمرار".