بين الحرب والأنفاق والانتظار، كُتبت قصة خالد أبو عودة (36 عامًا) على وقع المعارك، لتتحول من سيرة مقاتل إلى ذاكرة عائلة توثق تفاصيلها في دفتر ظلّ شاهدًا على حياة امتزجت بالمقاومة والأبوة والحنين.
في بيت حانون شمال قطاع غزة، أمضى خالد الجزء الأكبر من عامين متتاليين متنقّلًا بين ساحات المواجهة وأنفاق المخيم وأراضيه الزراعية، في حين كانت أسرته تعيش نزوحًا قاسيًا جنوب القطاع، تترقب خبرًا يطمئنها أو رسالة قصيرة تعيد صوته إلى البيت.
مقاوم يكتب على جدران الذاكرة
منذ اليوم الأول للحرب، استعدّ خالد وخرج سريعًا إلى الميدان، تاركًا خلفه زوجته رحمة أبو عودة (32 عامًا) وأطفاله: أكرم (10 أعوام)، ومنير (8 أعوام)، وسلمى (6 أعوام)، الذين كانوا يستعدون للنزوح نحو الجنوب في رحلة مجهولة المصير.
تقول رحمة لـ"فلسطين أون لاين": "في خروجه الأول مرّ خمسون يومًا قبل أن أتلقى أول اتصال منه. مشيت مسافات طويلة فقط لأسمع صوته، وكان حينها في استراحة قصيرة من المعركة".
كانت الرسائل الصوتية ومقاطع الفيديو القصيرة التي يرسلها خلال فترات الهدوء الوسيلة الوحيدة للتواصل. لم يرَ أطفاله صورته في البث المباشر، لكنهم كانوا يميزون صوته فورًا، وكان علامة اطمئنان لهم بأنه ما زال حيًا.
وتضيف: "كان يرسل لنا أشواقه، فيزيدنا صبرًا وثباتًا".
دفتر الحرب… شهادة على الحياة والمقاومة
في أغراضه الشخصية، عثرت رحمة على دفتر يومياته، الذي كان يدوّن فيه تفاصيل أيامه في الميدان. هناك قرأت عن لحظات إعداد الحلويات والمعجنات لرفاقه، ومزاحه معها قائلًا: "طلعت معدّل أكثر منك".
وكتب في صفحات الدفتر أنه نقش أسماء زوجته وأطفاله على جدار أحد الأنفاق، كي يبقى اشتياقه لهم حاضرًا في المكان الذي يقضي فيه أيامه.
كما دوّن ما اعتبرها "كرامات" عاشها مع رفاقه في فترات المجاعة وشحّ الطعام والمياه. تروي رحمة أن من بين القصص التي كتبها، وقوف أرنب بري عند مدخل النفق، فتم اصطياده وطهيه ليشبعوا منه جميعًا، في لحظة رآها دلالة على الرزق وسط الضيق.
وكتب أيضًا عن العمليات التي شارك فيها، وعن القصف الذي تعرضوا له، وكيف كان يصف لحظات الاشتباك وسماع أصوات الجنود، رغم الإمكانيات المحدودة. ويذكر في إحدى رواياته أنه انتشل صديقه معاوية من تحت الركام حيًا، لكنه استشهد لاحقًا، كما أسعف رفيق دربه أسعد بعد إصابة خطيرة، قبل أن يلحق بهما الاستشهاد.
تتوقف رحمة عند تلك الصفحات، ثم تبتسم بمرارة: "أخذ مني الدفتر وقال لي: إذا استشهدتِ، كمليه…".
لحظة العودة… ورسالة الفقد
بعد حصار طويل وانقطاع الاتصال بين الشمال والجنوب، تحقق حلم اللقاء في يناير/كانون الثاني 2025، حين زال الحاجز بين المنطقتين. تقول رحمة: "كنا نعدّ الأيام بانتظار وقف إطلاق النار. عندما عاد إلينا كانت أجمل اللحظات، لكنه كان حاضرًا بجسده فقط، أما قلبه وعقله فبقيا في الميدان".
وفي 28 أبريل/نيسان 2025، زارهم في مدينة غزة، واشترى للأطفال ألعابًا وملابس، وأخذهم إلى شاطئ البحر. جلس مع أكرم يستمع إلى قراءته للقرآن، وشجّع منير على قصيدته، واحتضن سلمى التي كان يناديها بـ"الأميرة"، يروي لها القصص ويعدها بالعودة القريبة.
تقول سلمى يومها: "بابا خليك معنا". فردّ عليها: "حاضر يا بابا… قولي يا رب تخلص الحرب ونجتمع على خير.. كانت تلك الزيارة الأخيرة".
غياب تأخر خبر استشهاده
في 7 مايو/أيار 2025 وصلت آخر رسالة ورقية من خالد إلى أسرته، ثم انقطع الأثر. مرّت الأسابيع دون أخبار، وكانت رحمة تتابع أسماء الشهداء بين الأخبار، تبحث عن اسمه بين القوائم، حتى جاءها الخبر بطريقة صادمة.
في 23 سبتمبر/أيلول 2025، وصلها خبر استشهاده في 10 أغسطس/آب من العام نفسه، أي بعد شهر من وقوع الحدث. تقول: "كانت الرسالة كالصاعقة… كنت أظنه سيعود كما عاد في المرة الأولى".
الأب… والابن… والإنسان
يصفه أهله بأنه الابن البار بوالديه، والأخ الواصل، والمحبة تسكن تفاصيل تعامله مع أسرته. يوم ولادته، كبّر والده في أذنه ودعا الله أن يكون "خالدًا نارًا على من اعتدى"، وكان دائم الحرص على إرضاء والدته، يسلم عليها عند خروجه وعودته، ويخاطبها بصوتٍ لينٍ واحترام عميق.
أما في أسرته، فكان أبًا يعرف كيف يوزّع اهتمامه بين أطفاله: مع أكرم كان المرشد والصديق، ويتمنى أن يصبح جرّاح قلب؛ ومع منير كان الحافز والمشجّع، يحلم أن يراه يومًا خطيبًا في المسجد الأقصى؛ ومع سلمى كان الحنان والحماية، يردّ على رسائلها الصوتية مهما كان منشغلًا.
رمضان بعد الغياب
تقول رحمة إن رمضان بعد استشهاده لم يعد كما كان: "المائدة نفسها، والأذان نفسه، لكن مكانه فارغ. أفتقد صوته وهو يردد الدعاء قبل الإفطار، ويوقظنا للسحور بلطف، ويجلس بعد الصلاة يتلو القرآن بصوت يملأ البيت طمأنينة".
اليوم، تستقبل الشهر بدمعة وصبر، وتحاول أن تحوّل الحزن إلى دعاء والغياب إلى صدقة جارية. وتقول: "غيابه موجع، لكن حضوره في قلبي أقوى من أي غياب".
بين الأنفاق والدفتر، وبين الحلم والاستشهاد، تبقى قصة خالد أبو عودة شاهدًا على مقاومٍ نقش أسماء أحبته على جدران النفق، ليبقى الاشتياق حاضرًا، والذاكرة محفوظة في قلب عائلته.