فلسطين أون لاين

بالفيديو والصور التراويح في غزة… شعائر تُقام بين الركام وتحت ضوء الهواتف

...
صلاة التراويح في غزة
غزة/ مريم الشوبكي

غيّرت الحرب ملامح صلاة التراويح في قطاع غزة، بعدما دُمّرت أو تضررت أغلبية المساجد، لتنتقل الشعيرة الرمضانية من المصليات الواسعة إلى ساحات البيوت والخيام وغرف نصف مهدّمة، إذ تحيي النساء الصلاة جماعة في مساحات بديلة، حفاظًا على روح الشهر وفضل الجماعة.

فبعد أكثر من عامين من الحرب، لم تعد النساء يتوجهن إلى المساجد القريبة عقب الإفطار، كما اعتدن لسنوات طويلة، بل باتت التراويح تُؤدّى في أماكن ضيقة نجت من القصف: ساحة منزل، أو خيمة في مخيم نزوح، أو غرفة تلفّها الشوادر. هناك تُقام الركعات، ثم تعود كل واحدة إلى واقعها المثقل، بقلب أخفّ قليلًا.

استعادة رهبة الصلاة

أسيل عبد العال (25 عامًا) اعتادت منذ طفولتها مرافقة والدتها إلى مسجد الحي في منطقة الدرج شرق مدينة غزة. تحفظ الطريق جيدًا، وتنتظر دعاء الركعة الثامنة، وتعود شاعرة بأن ليل رمضان اكتمل.

غير أن هذا هو رمضان الثالث الذي يمرّ عليها دون دخول المسجد، بعدما دُمّر معظم مساجد المنطقة. فاقترحت عليها جارة ستينية أن تستضيفها ومن ترغب من نساء العائلة والحي في ساحة منزلها الذي نجا من القصف.

ومنذ الليلة الأولى، بدأت النساء يتوافدن: بنات، حفيدات، زوجات أبناء، وجارات. تصطف الصفوف في الساحة الضيقة، وتُؤدّى التراويح جماعة.

تقول أسيل: "شعرتُ لأول مرة منذ ثلاثة رمضانات بالرهبة والخشوع في صلاة التراويح، كأنني استعدت جزءًا من الماضي. لكنني ما زلت أتمنى أن نجتمع في المسجد كما في السابق".

خيمة تتّسع للجماعة

أما رانيا حجازي (40 عامًا)، التي تقيم في خيمة بساحة السرايا غرب غزة، فيأتيها رمضان مثقلًا بالفقد؛ إذ خسرت شقيقها وزوج أختها وزوج ابنة أختها في الأشهر الأولى للحرب. كانت التراويح سابقًا جزءًا من اجتماع العائلة الكبير.

اليوم، نصبت رانيا خيمة تتّسع لنحو عشرين سيدة. تؤدي نصفهن الصلاة داخلها، فيما تصلي الأخريات في المساحة المقابلة، مستعينات بكشافات الهواتف المحمولة لإنارة المكان.

تقول: "رمضان حزين، لكنني أحاول أن أتمسك بلذة إقامة شعائره. أجمع جاراتي وبناتهن للصلاة حتى لا نحرم أنفسنا أجر الجماعة".

وتُؤدّى التراويح يوميًا؛ ست ركعات أحيانًا، وثمانٍ في ليالٍ أخرى، وفق ظروف النساء. وبعد الصلاة، تُعدّ بعضهن الشاي أو القهوة، وأحيانًا حلويات بسيطة، يتقاسمنها في جلسة قصيرة قبل أن تعود كل واحدة إلى خيمتها.

سكينة لا تُهدم

وفي حي الصبرة شرق غزة، تجتمع شهيرة التميمي (65 عامًا) مع بناتها الأربع وجارتيها في غرفة سقطت جدرانها، ولم يبقَ منها سوى مساحة تحيط بها الشوادر. تُضاء الغرفة بمصباح "ليد" خافت أو بهواتفهن المحمولة، وتصطف النساء في صف واحد، تؤمّهن كل ليلة إحداهن، يقرأن ما تيسّر من القرآن بصوت منخفض.

بعد الصلاة، يعقدن "مقرأة" صغيرة، يتلون فيها جزءًا من القرآن جماعيًا، ثم تنصرف كل واحدة إلى غرفتها المهدّمة أو خيمتها القريبة.

تقول التميمي لـ "فلسطين أون لاين": "فقدنا اجتماعنا في المساجد منذ ثلاثة رمضانات، لكننا لا نريد أن نفقد الأجر ولا الألفة. نحاول أن نبقي هذه السنة حيّة بيننا".

عادة تغيّرت… وروح باقية

بين ساحة بيت ضيقة، وخيمة في مخيم، وغرفة نصفها ركام، تبدّلت هيئة التراويح لدى نساء غزة. لم تعد هناك مآذن تنادي، ولا مصليات مضاءة تستقبل المصلّيات، لكن الإصرار على إحياء الشعيرة بقي حاضرًا.

تُؤدّى الركعات، وتُرفع الأكفّ بالدعاء، وتنقضي الليلة سريعًا، غير أن أثرها يبقى: سكينة تُولد من بين الركام، وألفة تُصنع من جديد، وأمل صغير يتجدّد مع كل تسليمة.

المصدر / فلسطين أون لاين