أثار إعلان اللجنة الوطنية التكنوقراطية لإدارة غزة فتح باب التسجيل للانتساب إلى جهاز الشرطة في القطاع موجة واسعة من النقاش السياسي، باعتباره أول اختبار عملي لقدرتها على الموازنة بين الشرعية الدولية التي اكتسبتها عبر مشاركتها في جلسة “مجلس السلام” في واشنطن، والشرعية الوطنية المرتبطة بتوافق داخلي حساس، ولا سيما في الملف الأمني.
الخطوة التي قُدّمت في سياق تعزيز سيادة القانون وترسيخ الاستقرار خلال مرحلة انتقالية جاءت عقب مشاركة اللجنة في اجتماعات ما يُعرف بـ“مجلس السلام”، إذ سعت إلى تسويق نفسها إطاراً عملياً لإعادة تشغيل المؤسسات واستئناف الخدمات وتهيئة الأرضية لإعادة الإعمار. غير أن هذا الحراك الخارجي تزامن مع تساؤلات داخلية متصاعدة عن طبيعة الدور المطلوب من اللجنة وحدود استقلال قرارها.
الكاتب والمحلل السياسي معين نعيم يرى أن الإشكالية تتجاوز شكل المجلس أو آلياته، لتلامس أزمة أعمق تتعلق بخلل النظام الدولي وعجز مؤسساته عن فرض قواعد القانون الدولي بصورة متوازنة.
ويشير لصحيفة "فلسطين" إلى أن أي مسار سياسي يُبنى في ظل هذا الخلل سيعكس، بالضرورة، اختلالاً في موازين القوى، حتى وإن حمل شعارات إعادة الاستقرار أو السلام.
ويلفت نعيم إلى أن مؤسسات قضائية دولية، بينها محكمة العدل الدولية، تواجه ضغوطاً سياسية عندما تقترب من مساءلة إسرائيل، ما يعكس حدود الإرادة الدولية في إنفاذ العدالة. وبحسب تقديره، فإن انخراط اللجنة في ترتيبات دولية يمنحها غطاءً سياسياً ودعماً مالياً، لكنه قد يقيّد حركتها بشروط أمنية وسياسية تتقاطع مع أولويات خارجية أكثر من تعبيرها عن إجماع وطني فلسطيني.
في السياق ذاته، يشير نعيم إلى أن ملف إعادة الإعمار لم يعد شأناً إنسانياً خالصاً، بل تحول إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح دول وشركات كبرى، ما يثير مخاوف من أن يُختزل “السلام” في إدارة استقرار مضبوط، لا في معالجة جذور الصراع أو تمكين الفلسطينيين سياسياً.
من زاوية أمنية، يوضح الباحث أيمن إسماعيل أن اللجنة تقف أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فإذا نسّقت بصورة وثيقة مع الفصائل الفلسطينية، قد تواجه ضغوطاً من الاحتلال أو أطراف دولية، وإذا تجاوزت الفصائل أو همّشت دورها، فإنها تخاطر بفقدان الغطاء الوطني، بما ينعكس على الاستقرار الداخلي.
ويضيف إسماعيل لـ"فلسطين" أن فتح باب التسجيل للشرطة يعكس، من حيث الشكل، توجهاً لبناء جهاز أمني منضبط، غير أن جوهر المسألة يكمن في تحديد العقيدة الأمنية وحدود التنسيق وأولويات العمل: هل ستكون حماية المجتمع الفلسطيني وصون حقوقه هي البوصلة، أم الاستجابة لاشتراطات أمنية خارجية؟
ويتفق الباحثان على أن التحدي الأكبر لا يقتصر على إدارة التناقض بين الشرعيتين الدولية والوطنية، بل في منع تحوله إلى صدام يفقد اللجنة ثقة الشارع أو يعرّضها لضغوط سياسية ومالية. وبين هذين المسارين الضيقين، تبدو اللجنة مطالبة بابتكار صيغة توازن دقيقة تحفظ الغطاء الوطني دون التفريط بمتطلبات الانخراط الدولي.
في المحصلة، لم يعد اختبار اللجنة محصوراً في إعادة الخدمات أو تشغيل المرافق، بل بات مرتبطاً بقدرتها على تثبيت موقعها بين شرعيتين متنازعتين. وفي بيئة دولية مضطربة ومشهد داخلي بالغ التعقيد، قد يُقرأ أي اختلال في هذه الموازنة بوصفه مؤشراً على اتجاه المرحلة برمتها، لا مجرد خطأ إداري عابر.