في زاوية من مدينة خان يونس، حيث ما تزال آثار حرب الإبادة الإسرائيلية شاخصة في الأبنية والطرقات، يقف لاعب ومدرب كمال الأجسام محمد صقر على قدم واحدة، رافعاً أثقالاً تتجاوز وزن الحديد.
صقر البالغ من العمر 43 عاماً، لم يعد يقيس قوته بعدد الكيلوغرامات التي يرفعها، بل بقدرته على الوقوف مجدداً بعد أن فقد ساقه اليمنى من فوق الركبة من جراء قصف الاحتلال في 14 سبتمبر 2025، خلال العدوان على قطاع غزة.
يروي صقر لصحيفة "فلسطين" تفاصيل إصابته قائلاً: "خلال اجتياح الاحتلال مدينة خان يونس، حدثت اللحظة الفارقة في حياتي حينما أصبت من جراء قصف طائرات الاحتلال، لأفقد ساقي اليمنى من فوق الركبة".
ويضيف: "مكثت شهرين في المستشفى لتلقي العلاج، إلى أن خرجت من هناك بساق واحدة وصدمة كبيرة، فقد كان تقبلي للفقد صعباً جداً، حتى بعيداً عن الرياضة، كنت أتساءل كيف سأتعامل مع حياتي بعد ذلك؟".
قبل الإصابة، كانت الصالة الرياضية التي يديرها محمد في خان يونس مصدر رزقه ومساحته اليومية لبناء الأجساد وصقل الإرادات. لكن القصف لم يترك له قدماً ولا صالة، فقد دُمّر المكان بالكامل، وتحولت الأجهزة الرياضية إلى كتل حديد مدفونة تحت الركام.
لا مكان لليأس
لم يجد اليأس سبيلاً إلى قلب وعقل الشاب رغم مرارة فقدان ساقه وصالته، لكن رحلة العودة من جديد كانت شاقة وتكاد تكون مستحيلة، غير أن إرادته كانت أكبر وأقوى.
بدأ صقر بسحب الأجهزة المدمرة واحدة تلو الأخرى من تحت الأنقاض. أصلح ما يمكن إصلاحه، ونقل ما تبقى إلى مكان جديد. استغرق الأمر وقتاً وجهداً، لكن الصالة الجديدة أصبحت جاهزة تدريجياً لاستئناف التدريب. كانت تلك الخطوة، كما يصفها، بداية استعادة الثقة بالنفس قبل استعادة اللياقة البدنية.
عاد صقر إلى التمارين بخطوات صغيرة. بدأ بتمارين بسيطة، معتمداً على قدمه اليسرى، وعن ذلك يقول: "أهم شيء بالنسبة لي هو تحسين حالتي الصحية وزيادة وزني لكي أتمكن من التدريب بشكل فعال".
ويوضح أن الهدف في هذه المرحلة ليس المنافسة أو الألقاب، بل استعادة التوازن الجسدي والنفسي. ومع مرور الوقت، أصبح يعتمد أكثر على ساقه المتبقية، لكنه يؤكد أنه لا يزال بحاجة ماسة إلى طرف صناعي مناسب.
مفصل صناعي
يحتاج صقر إلى مفصل صناعي متطور يُركّب فوق الركبة، وهو نوع غير متوفر في غزة، ويشير إلى أن تركيب هذا المفصل قد يساعده على العودة إلى ما لا يقل عن 80% من مستواه السابق، سواء في التدريب الشخصي أو في متابعة المتدربين داخل الصالة الرياضية.
لكن الحصول عليه يتطلب علاجاً في الخارج، وهو أمر يرتبط بإجراءات معقدة في ظل عدم سماح الاحتلال للغالبية العظمى من الجرحى والمرضى من غزة بالسفر عن طريق معبر رفح.
يحمل صقر تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع منذ أشهر، إلا أن مصيره ما يزال معلقاً في ظل انتظار آلاف المرضى دورهم للسفر، الذي بات حلماً بعيد المنال لأهالي غزة.
وعن ذلك يقول صقر بأسى: "الخروج من المعبر مستحيل حالياً، وعدد الذين يسمح لهم الاحتلال بالمغادرة قليل جداً، لذلك قررت الاستمرار في التدريب والعمل داخل الصالة حتى لو بساق واحدة، بانتظار اللحظة التي يمكنني فيها السفر وتركيب طرف صناعي".
وخلّفت حرب الإبادة على قطاع غزة، خسائر كبيرة في صفوف الرياضيين والبنية التحتية، ما أدى إلى استشهاد مئات الرياضيين، بينهم لاعبو كمال أجسام كانوا زملاء وأصدقاء لصقر.
وتُظهر الإحصاءات أن العدوان على غزة أسفر عن استشهاد 1035 رياضياً من مختلف الألعاب، واعتقال 29 آخرين، بينهم لاعبون ومدربون، بينما تعرض المئات لإصابات متفاوتة تسببت في إنهاء مسيرة الكثير منهم.