فلسطين أون لاين

تقرير رمضان في خيمة النزوح... فاطمة تصارع المرض والفقد لتحمي أطفالها

...
فاطمة حلاوة فقدت زوجها بينما كان ذاهبا إلى تفقد منزله في جباليا شمالي قطاع غزة
غزة/ جمال غيث:

في خيمةٍ مهترئة لا تحجب شمس الصيف ولا تصدّ أمطار الشتاء، تستقبل فاطمة حلاوة (25 عاماً) شهر رمضان المبارك هذا العام بقلبٍ مثقل بالحزن والمسؤولية.

فاطمة، زوجة الشهيد عمر هاني حلاوة، تجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة بعد أن فقدت شريك عمرها، لتتحول أيامها إلى رحلة صمود يومية من أجل أطفالها الثلاثة، اثنان منهم بحاجة إلى رعاية خاصة وعلاج دائم.

وتروي حلاوة لصحيفة "فلسطين" أن زوجها استُشهد في الثالث عشر من آب/أغسطس 2025م، عندما كان متوجهًا لتفقد منزلهم قرب دوار حلاوة، في جباليا البلد، فتم استهدافه هناك.

ومنذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء في حياتها، لم يعد هناك سندٌ يعينها، ولا أبٌ يلاعب أطفاله أو يطمئنهم حين يسألون عنه.

ضمور في الدماغ

ففاطمة هي أم لثلاثة أطفال، هاني، وهو الابن الأكبر، ويعاني من ضمور شديد في الدماغ وتقلصات حادة في العضلات، وحالته – وفق التقارير الطبية – غير قابلة للتحسن داخل القطاع، ويحتاج إلى علاج متخصص في الخارج غير متوفر في غزة، في ظل تدمير عدد من المراكز الصحية والمستشفيات خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، ونقص الإمكانات الطبية.

أما شقيقته نعمة، فتعاني من مشكلات مشابهة في الدماغ أثرت على قدرتها على الحركة، لكنها تستفيد جزئيًا من جلسات العلاج الطبيعي التي تساعدها على تحسين حالتها بشكل محدود، بينما الطفل الثالث، عمر، هو الوحيد السليم صحياً، لكنه يعيش بدوره وطأة الفقد ومرارة النزوح.

وتقول فاطمة، إن رعاية طفليها المريضين تتطلب أدوية خاصة وعلاجات مكلفة غير متوفرة في الصيدليات أو المراكز الصحية، إضافة إلى حاجتهما المستمرة إلى الحليب العلاجي والمستلزمات الطبية الأساسية.

وتوضح أنها في كثير من الأحيان تعجز عن توفير الحفاضات لأطفالها، ما يضطرها لاستخدام قطع قماش ممزقة وشرائط بديلة، في مشهد يعكس حجم العوز الذي تعيشه الأسرة.

ومع اقتراب أذان المغرب في أيام رمضان، تجلس "فاطمة" داخل خيمتها في مخيم حلاوة، تحاول أن تهيئ لأطفالها أجواءً رمضانية بسيطة، رغم قلة الطعام وشح الإمكانات.

وتقول بصوتٍ تغلبه الدموع: إن هذا الشهر يأتي عليها مختلفاً هذا العام؛ فزوجها الذي كان يسهر إلى جوار أطفاله، ويعينها في رعايتهم، لم يعد موجوداً، وأطفالها لا يزالون يسألون عنه، وتضطر بين الحين والآخر إلى طمأنتهم بعبارات مقتضبة، محاولة تخفيف وقع الغياب على قلوبهم الصغيرة.

وتلفت إلى أن الخيمة التي تأويهم، والمصنوعة من قطع نايلون بالية، لا توفر الحد الأدنى من الأمان، فتعرضت أكثر من مرة للاقتلاع بفعل الرياح، وغمرتها مياه الأمطار خلال الشتاء، ما تسبب في تلف بعض الأغطية والفرش القليلة التي تملكها.

وفي الصيف، تتحول الخيمة وفق حلاوة، إلى ما يشبه الفرن، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات لا تُحتمل، خاصة على طفلين يعانيان من ظروف صحية حرجة.

هموم يومية

تؤكد حلاوة، أن أكبر همومها اليوم هو تأمين بيئة آمنة وصحية لأطفالها، إلى جانب توفير أدويتهم والعلاج الطبيعي المنتظم لابنتها، والسعي لإيجاد فرصة علاج خارج القطاع لأبنائها.

وتناشد الجهات المعنية والمؤسسات الإنسانية توفير خيمة ملائمة تقي أطفالها حر الشمس وبرد الشتاء، ومساعدتها بالمستلزمات الطبية والحليب العلاجي ومواد النظافة الأساسية، حتى تتمكن من الاستمرار في رعايتهم بكرامة.

وتلفت إلى أن منزل الأسرة كان قد دُمّر خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة على يد قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، ما اضطرها للنزوح والإقامة في المخيم بانتظار إعادة الإعمار.

وبين ركام البيت المهدّم وواقع الخيمة الهشة، تحاول "فاطمة" أن تصنع من الصبر درعاً يحمي أبناءها من قسوة الظروف.

ورغم كل ما تعيشه من ألم، تتمسك فاطمة بالأمل، وتقول: إن أطفالها هم سبب قوتها واستمرارها.

وفي رمضان، ترفع يديها بالدعاء أن يحمل الغد انفراجة قريبة، وأن تجد من يستجيب لندائها، فيوفر الدواء لطفليها، والمأوى الآمن لأسرتها، ويمنحها فرصة لتربية أبنائها في ظروف إنسانية تحفظ كرامتهم.

ليست قصة فاطمة، مجرد حكاية أمٍ ثكلى، بل صورة لمعاناة يومية تعيشها أسر كثيرة، حيث يتقاطع الفقد مع المرض والنزوح، في ظل نقص حاد في الخدمات الصحية والإمدادات الطبية.

ومع حلول شهر الرحمة، تبقى مناشدتها مفتوحة لكل من يستطيع مدّ يد العون، علّ أطفالها يجدون نصيبهم من الرعاية والأمان الذي حُرموا منه.

المصدر / فلسطين أون لاين