مع الترتيبات الدولية المطروحة لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، برز ما يُسمى "مجلس السلام" بصفته إطارا جديدا تقول واشنطن إنه يهدف إلى إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار. غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية بشأن جدواه، ولا سيما مع غياب أي تمثيل سياسي فلسطيني رسمي أو فصائلي ضمن بنيته، الأمر الذي يضع علامات استفهام بشأن طبيعته وأهدافه الحقيقية.
يرى رائد بدوية، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية برام الله، أن الخطة الأمريكية منذ بدايتها "استثنت الفلسطينيين سياسياً بشكل واضح"، سواء السلطة أو الفصائل، في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بالجامعة العربية الأمريكية، رائد بدوية
ويؤكد بدوية لـ "فلسطين أون لاين"، أن هذا الاستثناء لم يكن تفصيلاً عابراً، بل جزءاً بنيوياً من رؤية الإدارة الأمريكية، معتبراً أن "مجلس السلام أعاد بشكل أو بآخر صيغة الوصاية الدولية على قطاع غزة، عبر إبعاد أي تمثيل سياسي فلسطيني، لا للسلطة ولا للفصائل".
ويشير إلى أن المجلس يعكس رغبة أمريكية مباشرة في إدارة قطاع غزة والانتداب عليه تحت غطاء دولي، موضحاً أن ما يُطرح كإطار دولي ليس سوى إدارة أمريكية أُلبست غطاءً شرعياً بقرار من مجلس الأمن الدولي.
وبحسب تقديره، فإن القرار الأممي منح الولايات المتحدة تنفيذ الغطاء الدولي، فيما تبقى حقيقة القرار السياسي بيد واشنطن.
تكنوقراط بلا تمثيل سياسي
وبالرغم من الحديث عن إشراك لجنة فلسطينية تكنوقراطية في إدارة الشأن المدني للقطاع، يشدد بدوية على أن هذه اللجنة "لا تشكل بأي حال من الأحوال تمثيلاً سياسياً"، بل يقتصر دورها على الجانب التنفيذي وتقديم الخدمات.
ويضيف أنها لجنة مدنية فلسطينية تأتمر بقرارات ما يسمى بالمجلس التنفيذي التابع لمجلس السلام، ما يعني أن القرار السياسي النهائي ليس فلسطينياً، بل دولي الشكل أمريكي المضمون.
اقرأ أيضًا: اجتماع "مجلس السلام"... استغلال إسرائيلي مستمر لتصعيد الجرائم في غزة
ويعتبر أن هذا الترتيب يُقصي البعد السياسي للقضية الفلسطينية في غزة، ويحول الإدارة إلى مسألة إغاثية – خدمية، بينما تبقى الملفات السيادية والأمنية والحدودية خاضعة للرؤية الأمريكية المتناغمة مع المتطلبات الإسرائيلية.
عقبات حقيقية
على الصعيد الأمني، تطرق بدوية إلى ما يُعرف بـ"قوة الاستقرار الدولية"، التي يُفترض أن تشكل الذراع الأمنية المرافقة لعمل المجلس. ورغم الحديث عن إطلاقها قريباً، إلا أنه يؤكد وجود عقبات حقيقية تعترض تشكيلها، سواء من حيث التفويض الدقيق لصلاحياتها، أو امتناع عدد من الدول عن المشاركة فيها بسبب طبيعة هذا التفويض.
ويشير إلى أن الغموض ما زال يكتنف طبيعة هذه القوة وصلاحياتها وحدود تدخلها، معتبراً أن إطلاقها على الأرض سيحتاج لعدة أشهر.
ووفق بدوية، فإن هناك حالة من القبول الإقليمي والدولي بالمجلس، بل وحتى نوع من التعاطي الفلسطيني معه. ويشير إلى ترحيب فلسطيني من السلطة والفصائل بالمجلس.
اقرأ أيضًا: قاسم: الاختبار الحقيقي لـ "مجلس السلام" هو إلزام الاحتلال بوقف انتهاكاته بغزة
كما لفت إلى ترحيب دول إقليمية مثل تركيا والسعودية والإمارات بالمبادرة الأمريكية، ما منحها زخماً سياسياً إضافياً. ويرى أن السلطة وجدت نفسها أمام واقع إقليمي ودولي يصعب تجاوزه، خاصة في ظل عجزها السياسي أمام الهيمنة الأمريكية، بينما اضطرت الفصائل في غزة إلى التعاطي مع هذه الترتيبات تحت ضغط الإبادة والمعاناة الإنسانية.
ورغم الصورة القاتمة، يطرح بدوية احتمال أن تراهن الفصائل والسلطة على قوى إقليمية "صديقة للشعب الفلسطيني" لتمرير بعض المطالب لاحقاً عبر هذه الأطراف الداعمة لحقوق الفلسطينيين. غير أن هذا الرهان يبقى مشروطاً بمدى قدرة تلك الدول على التأثير في القرار الأمريكي، الذي يبدو – وفق توصيفه – متماهياً بالكامل مع الرؤية الإسرائيلية.
بحسب بدوية، يرتكز عمل مجلس السلام على نقطتين أساسيتين: إعادة إعمار قطاع غزة وحشد الدعم المالي، وإطلاق قوة الاستقرار الدولية. لكنه لا يتوقع أن يترجم ذلك في المدى القريب إلى قرارات عملية تُحدث تحولاً ملموساً في الواقع الميداني، سواء لجهة وقف الانتهاكات أو توسيع إدخال المساعدات.
ويؤكد أن أجندة المجلس ستبقى خاضعة للرؤية الأمريكية، التي تتناغم – بحسب وصفه – مع الاحتياجات الإسرائيلية.
ويتوقع بدوية ألا يشهد ملف المعابر أي تغيير جوهري، مرجحاً استمرار (إسرائيل) في فرض سيطرتها وشروطها على دخول المساعدات والبضائع، وفتح المعابر بشكل محدود يخضع لاعتبارات أمنية إسرائيلية. كما يرى أن (إسرائيل) لن تتخلى عن السيطرة الأمنية على القطاع، وستواصل التذرع باحتياجات أمنية لتبرير الضربات العسكرية أو أي تدخل ميداني.

