قائمة الموقع

إفطار تحت القماش بغزة.. رمضان ثالث والحرمان ضيف دائم

2026-02-19T08:34:00+02:00
يحاول أهالي غزة تزيين خيمتهم ابتهاجًا باستقبال شهر رمضان رغم كل التحديات
فلسطين أون لاين

تقف أم أحمد شعبان خلف موقد نار بدائي، تحرّك قدرًا صغيرًا من المعكرونة، فيما يتكئ إلى جوارها كيس بلاستيكي خفيف بداخله حبتا طماطم، وقرن فلفل حار، وبصلة وحيدة.

هذا كل ما تملكه لإعداد إفطار أول أيام رمضان. المعكرونة حصلت عليها ضمن سلة مساعدات غذائية، وصارت خيارها الإجباري كلما ضاقت الخيارات.

على حصيرة مهترئة، يجلس أطفالها يراقبون القدر بصمت ثقيل. يقطعه أحدهم بصوت متبرّم: "يمّا، زهقنا المعكرونة… بدنا جاج".

تبتسم ابتسامة واهنة وتربّت على رأسه: "إن شاء الله يمّا، لعلّ أحدًا يتبرع لنا بدجاجة."

ثم تعود لتحريك القدر، كأنها تحاول أن تطهو شيئًا من الطمأنينة إلى جانب الطعام.

تقول أم أحمد لـ "فلسطين أون لاين" إن طبق السلطة كان أساسيًا على مائدتها الرمضانية، "لم يكن يمرّ إفطار دون خيار وطماطم وبقدونس وليمون وجزر. كانت السفرة تكتمل بألوانها."

ذهبت إلى السوق لتشتري بعض هذه المكونات، لكنها صُدمت بالأسعار "الخيار كان قبل يوم واحد بخمسة شواقل، وفي اليوم التالي أصبح بعشرين شيقلًا. ذُهلت من هذا الارتفاع الجنوني، ولم أُكمل السؤال عن بقية الخضار. ألغيتُ فكرة السلطة تمامًا."

تتنهد وتضيف: "سئمنا النشويات؛ أرز ومعكرونة وعدس ومعلبات. أطفالي يشتهون السلطة، والدجاج، واللحم، والبيض… لكنها أصبحت أطعمة للأثرياء، وليست لنا".

في خيمة منصوبة على جانب شارع الوحدة بمدينة غزة، تجلس عفاف القصاص، أم لأربعة أطفال، تحاول إقناع ابنتها ذات الثمانية أعوام بأن "العجة" ليست متاحة هذا الأيام.

تقول لـ "فلسطين أون لاين": "قبل الحرب كانت العجة طبقًا اقتصاديًا للغاية. اليوم تجاوز سعر طبق البيض ستين شيقلًا. كيف أشتري البيض لأعدّ طبقًا بسيطًا؟".

لا تقتصر المعاناة على الطعام. حرارة النهار داخل الخيمة خانقة، تستنزف طاقة الصائمين، فيما يتحول الفجر إلى بردٍ قارس.

"في النهار نار، وفي الليل برد. عند السحور يرتجفون من البرد، وبالكاد يأكلون سندويشة من جبنة نباتية الدهن. أحيانًا يتناولون سحورهم وهم تحت الغطاء."

امتحان يومي للصبر

أما حنان الغزالي، أم لسبعة أطفال، فتقيم في خيمة خلف جدار مدرسة فهمي الجرجاوي شرق مدينة غزة، منذ سبعة أشهر بعد تدمير منزلها في حي الزيتون جنوب شرق غزة.

تقول لـ "فلسطين أون لاين" بصوت يختلط فيه الحنين بالألم: "الخيمة ليست مكانًا يصلح لعيش الآدميين. لا تقي حرّ الشمس، ولا تردّ برد الشتاء".

تستعيد ملامح بيتها قبل الدمار: "كان بيتنا يُعلن قدوم رمضان. نعلّق حبال الزينة والفوانيس وأشكال الهلال والنجمة. اليوم بالكاد تضيء الخيمة كشاف الهاتف المحمول، وننام في العتمة".

لا خصوصية في الخيام، ولا أجواء احتفالية، ولا مائدة عامرة كما كانت.

"ننتظر أذان المغرب ونحن نمسك بالجوع. أقدّم لأطفالي أي شيء متاح. أعتمد غالبًا على طعام التكية، لكنه في معظمه أرز، والصغار لا سئموا منه".

تتوقف قليلًا، ثم تضيف: "يشتاقون إلى السمبوسك، وشوربة الخضار، والقطايف المحشوة بالجبن والمكسرات. كانت هذه الأطباق لا تغيب عن مائدة رمضان يومًا. اليوم أصبحت مجرد ذكريات".

في غزة، تبدو الأسواق أحيانًا مكتظة بالبضائع، لكن موائد كثيرة ما تزال فقيرة. وفرة السلع لا تعني قدرة على الشراء، والخيارات المعروضة خلف البسطات لا تصل إلى الخيام.

بين موقد نار بسيط، وحصيرة مهترئة، وخيمة لا تحمي من حرّ ولا برد، يتحول رمضان إلى امتحان يومي للصبر. تجتمع الأسر حول طبق واحد، يتقاسمونه بهدوء، بينما تخبئ الأمهات عجزهن خلف دعاء صادق: أن يأتي يوم تعود فيه المائدة عامرة، ويعود رمضان كما عرفنه… شهرًا للفرح لا للحسابات القاسية.

اخبار ذات صلة