في أحد الأزقة الضيقة بحي الشاطئ غرب مدينة غزة، يقف منزل عائلة الطرشاوي شاهدًا على حكاية انتظار طويلة لم تنتهِ بعد. فهنا، داخل هذا البيت الذي أنهكته الحرب كما أنهكت ساكنيه، ما يزال اسم علي يتردد في كل زاوية، وفي كل دعاء، وفي كل لحظة صمت.
مرّت سنوات الحرب ثقيلة على العائلة، لكن ما يجعلها أشد قسوة هو غياب الابن علي الطرشاوي، الذي اختفى منذ الأيام الأولى للاجتياح البري لقطاع غزة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، دون أن يصل إلى عائلته أي خبر مؤكد عنه حتى اليوم.
واليوم، ومع حلول شهر رمضان، تجد العائلة نفسها أمام جرح يتجدد للمرة الثالثة. فكما يقول والده عبد الرحيم الطرشاوي، المعروف في الحي بـ"أبو علي"، فإن هذا الشهر الكريم أصبح مرادفًا للحسرة منذ غياب ابنه.
يقول أبو علي لصحيفة "فلسطين"، بينما يجلس في غرفة متواضعة تتوسطها صورة كبيرة لابنه: "هذا هو رمضان الثالث الذي يمر علينا ونحن نفتقد علي. في كل عام كنا نقول لعلّه يعود قبل رمضان أو نسمع خبرًا عنه، لكن الشهور تمضي ولا يصلنا شيء".
طالع المزيد: عامان من الغياب.. أمّ في غزة تبحث عن مصير ابنها حسن
يتحدث الأب بصوت هادئ يخفي وراءه تعب السنوات الماضية. فمنذ اختفاء علي، تحولت حياة العائلة إلى رحلة انتظار طويلة لا تعرف متى تنتهي.
قبل الحرب، كان علي شابًا في العشرين من عمره، يدرس تكنولوجيا المعلومات ويحلم بمستقبل هادئ يساعد فيه عائلته. كان الابن الذي يملأ البيت حركة وحياة، لكن الحرب جاءت لتبدد كل شيء.
يتذكر أبو علي تلك الأيام الأولى من الحرب وكأنها حدثت بالأمس، ويقول: "منذ خرج علي من البيت في تلك الأيام الأولى للاجتياح، لم نره مرة أخرى. ومنذ تلك اللحظة ونحن نعيش بين الأمل والخوف".
وخلال السنوات الماضية، تعلقت العائلة بآمال كثيرة، خصوصًا عندما بدأت المفاوضات حول صفقات تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. وكان أبو علي يتابع الأخبار لحظة بلحظة، ويترقب كل إعلان عن إفراجات جديدة، على أمل أن يكون اسم ابنه بين المفرج عنهم.
لكن تلك الآمال لم تكتمل.
يقول الأب بأسى: "صفقة التبادل انتهت منذ أشهر، ولم يعد هناك حديث عن صفقات جديدة. كنا نأمل أن يظهر اسمه في إحدى القوائم، لكن ذلك لم يحدث".
ويضيف: "بعد انتهاء الصفقة، أصبح الأمل الوحيد أن يكون علي حيًا في أحد السجون".
ومع مرور الوقت، لم يعد أمام الأب سوى أن يرفع أمره إلى الله.
طالع المزيد: رمضان بلا أمّ ولا "يوسف"… عائلة عسلية وحكاية الفقد المتكرر
"أنا رفعت الأمر والشكوى إلى الله سبحانه وتعالى. هو وحده يعلم أين علي، وهو القادر على أن يجمعنا به".
ورغم مرور الوقت، ما يزال أبو علي يتمسك بخيط أمل صغير، ويقول إنه لا يزال يحلم بأن يرى ابنه مرة أخرى، وأن يعود إليه كما كان.
"أحلم دائمًا أنه حي. أراه في خيالي يدخل من باب البيت، يبتسم ويقول: أنا بخير".
لكن هذا الحلم ليس مجرد أمنية بالنسبة له؛ بل هو الشيء الوحيد الذي يساعده على الاستمرار.
وقبل فترة، تلقى أبو علي اتصالًا هاتفيًا من شخص لا يعرفه، حمل معه كلمات أعادت إشعال الأمل في قلبه.
يقول: "اتصل بي رجل لا أعرفه، وقال إنه سمع من أحد الأسرى المحررين أن علي موجود في أحد السجون الإسرائيلية".
يتوقف الأب لحظة وكأنه يستعيد تلك اللحظة، ثم يقول: "لا أعلم إن كانت هذه المعلومة صحيحة أم لا. ربما تكون مجرد كلام، وربما تكون الحقيقة".
ورغم عدم تأكدها، إلا أن هذه الكلمات كانت كافية لتعيد بعض الحياة إلى قلب الأب الذي أنهكه الانتظار.
لكن أبو علي يدرك جيدًا أن الحقيقة لن تتضح إلا بطريقة واحدة.
"لن أتأكد من أي شيء إلا عندما أحتضن ابني بيدي"، يقولها بحزم ممزوج بالألم.
وفي منزل العائلة، ما تزال آثار الغياب واضحة في تفاصيل الحياة اليومية. فموائد الإفطار في رمضان لم تعد كما كانت؛ لم تعد مليئة بالضحكات والأحاديث، بل يغلب عليها الصمت.
في كل يوم، تجلس العائلة حول المائدة، لكن المقعد الذي كان يجلس فيه علي يبقى فارغًا.
يقول الأب: "عندما نجلس للإفطار ننظر إلى المكان الذي كان يجلس فيه. لا نستطيع أن ننسى".
أما والدته، فما تزال تنتظر عودته بطريقتها الخاصة؛ فهي لا تتوقف عن الدعاء، وتعيش على أمل أن يعود ابنها يومًا ما.
يقول أبو علي: "والدته لا تفارق الدعاء. كل يوم تسأل الله أن يعيده إلينا سالمًا".
ورغم الألم الذي يثقل قلبه، يصر الأب على التمسك بالأمل.
"لن أتوقف عن الدعاء. سأبقى أدعو الله أن يريني ولدي مرة أخرى".
في حي الشاطئ، يعرف الجيران قصة علي جيدًا. فحكايته أصبحت واحدة من عشرات الحكايات التي خلفتها الحرب؛ حكايات عن أبناء خرجوا ولم يعودوا، وعائلات بقيت تنتظر خبرًا قد يأتي أو لا يأتي.
لكن بالنسبة لعائلة الطرشاوي، لا يزال الأمل قائمًا.
طالع المزيد: رمضان على وقع الفقد… عائلة الشهيد محمد حلاوة تواجه النزوح بلا معيل
يقول أبو علي في ختام حديثه: "لا أريد شيئًا من الدنيا سوى أن أراه. إن كان حيًا أحتضنه، وإن كان شهيدًا أعرف مكانه".
ثم ينظر إلى صورة ابنه المعلقة على الجدار، ويضيف بصوت خافت: "سأبقى أدعو الله أن يجمعني به… ولو مرة واحدة".