تستقبل عائلة عسلية، شهر رمضان هذا العام مثقلة بفقد جديد، بعدما استشهد طفلها يوسف عسلية (14 عامًا) في المنطقة ذاتها التي ارتقت فيها والدته قبل سنوات، ليُكمل بذلك مسيرة الشهادة التي طبعت حياة الأسرة.
ولم يكن اسم يوسف، عابرًا في العائلة، إذ حمل اسم شقيقه الذي استشهد قبل 14 عامًا، في فصل آخر من فصول الألم المتكرر.
يقول راسم عسلية، والد الطفل الشهيد يوسف، بصوت يغلّفه الحزن: إن نجله استشهد يوم الثلاثاء الماضي أثناء محاولته الوصول إلى منطقة جباليا البلد، قرب منزلهم الذي دُمّر خلال الحرب.
ويوضح أن يوسف، اعتاد يوميًا جمع الحطب من تلك المنطقة، رغم المخاطر، لتأمين احتياجات أسرته في ظل شح غاز الطهي وارتفاع أسعاره، واستمرار الظروف المعيشية القاسية بسبب حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة والحصار.
ويضيف الأب، لصحيفة "فلسطين": أن طائرة مسيّرة للاحتلال أطلقت صاروخًا باتجاه نجله بينما كان يجمع الحطب على مسافة بعيدة من مواقع تمركز جيش الاحتلال، ما أدى إلى استشهاده على الفور.
ويؤكد عسلية، أن المنطقة التي كان يتواجد فيها تقع خارج مناطق انتشار جيش الاحتلال، ولم يكن يشكّل أي خطر على أحد فهو طفل.
لم تكن هذه الفاجعة الأولى في حياة العائلة، فقبل 14 عامًا، استشهد الابن الأكبر الذي كان يحمل اسم "يوسف" أيضًا، خلال توغل إسرائيلي شرق مخيم جباليا.
في تلك الفترة كانت والدته حاملًا، فأصرّت العائلة على إطلاق الاسم ذاته على مولودها الجديد، تخليدًا لذكرى شقيقه، وها هو يوسف الثاني يلتحق بأخيه ووالدته، والقول لراسم الذي خنقته الدموع.
ويلفت عسلية، إلى أن زوجته، ريم عسلية (36 عامًا)، استشهدت في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2023، إثر استهدافها بصاروخ أطلقته طائرة إسرائيلية في شارع الداخلية بمنطقة جباليا البلد.
ومنذ ذلك الحين، تولّى الأب مسؤولية إعالة أسرته المكوّنة من ثلاث بنات وطفلين، لم يتجاوز أكبرهما الخامسة عشرة من عمره آنذاك.
مائدة الإفطار
وفي أول أيام رمضان، باتت مائدة الإفطار في مقر النزوح خالية من "يوسف" الذي كان يُعدّ السند لوالده، بعد تدمير منزلهم في جباليا البلد، وتقيم العائلة في مبنى وزارة العمل غرب مدينة غزة، الذي تعرّض بدوره لأضرار جسيمة.
وتجتمع الأسرة حول مائدة بسيطة، تتقاسم ما تيسّر من طعام، بينما تغيب ضحكات "يوسف" التي كانت تملأ المكان.
ويمضى الأب بالقول: إن يوسف، كان محبًا لإخوته، حريصًا على مساعدتهم، وكان يجمع الحطب ويبيعه ليشتري بثمنه بعض الاحتياجات الأساسية، بل وكان يفضّل أحيانًا شراء اللحم لإخوته إن استطاع. ويردف بصوت متقطع: "كان يفرح حين يرى أخواته يأكلون جيدًا".
من جهته، يوضح معتصم عسلية، ابن عم الشهيد، أن يوسف كان يتحمّل مسؤولية تفوق سنّه، في ظل شحّ الإمكانات وانعدام فرص العمل بسبب الحرب.
ويؤكد عسلية لـ "فلسطين أون لاين" أن "يوسف" خرج صباح الثلاثاء كعادته لجمع الحطب استعدادًا لشهر رمضان، في ظل انقطاع غاز الطهي وارتفاع تكلفته، وأنه كان عازمًا على توفير كمية تكفي الأسرة لأيام.
ويروي معتصم، أن أحد أبناء عمومته كان برفقة "يوسف" لحظة الاستهداف، وشاهد ما جرى، ويقول" إن القصف كان مباشرًا وعنيفًا، ما أدى إلى إصابات بالغة في جسد الطفل".
ويلفت إلى أن العائلة بعد ساعات طويلة ومحاولات محفوفة بالمخاطر، تمكنت من انتشال جثمانه وسط استمرار تحليق طائرات الاحتلال المسيّرة وإطلاق النار في محيط المكان.
وفي اليوم التالي، استكملت العائلة إجراءات الدفن في مقبرة الفالوجة، في أجواء يخيّم عليها الخوف والحزن.
ووفق مصادر طبية في غزة، استشهد الطفل راسم يوسف عسلية (14 عامًا) جراء غارة من طائرة مسيّرة للاحتلال استهدفته شرق جباليا شمالي قطاع غزة، كما أُصيب عدد من المواطنين في هجمات متفرقة في اليوم ذاته.
وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة، إلى أنه منذ سريان اتفاق وقف الحرب وحتى الثلاثاء الماضي، أسفرت الخروقات الإسرائيلية اليومية عن استشهاد 603 مواطنين وإصابة 1618 آخرين.
ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يشهد قطاع غزة حربًا مدمّرة أسفرت، وفق المصادر الرسمية، عن أكثر من 72 ألف شهيد ونحو 171 ألف جريح، إلى جانب دمار واسع طال قرابة 90 بالمائة من البنية التحتية المدنية. وقدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.
في هذا المشهد الثقيل، تحاول عائلة عسلية التماسك، ثلاث فتيات ووالد مكلوم يجلسون حول مائدة إفطار متواضعة، يستعيدون ذكريات الأم والابنين، ويتساءلون كيف يمكن للقلب أن يحتمل كل هذا الفقد.
فرمضان الذي كان "يوسف" يستعد له بالحطب والقليل من الأمل، حلّ هذا العام بصمتٍ ثقيل، تاركًا على المائدة مكانًا شاغرًا لا يملؤه سوى الدعاء والدموع.