ضمن المساعي الإسرائيلية الرامية لبسط السيطرة على أراضي الضفة المحتلة، صدقت حكومة الاحتلال على قرار هو الأخطر منذ عام 1967، يقضي بتسوية أراضي الضفة وتسجيلها كـ "أملاك دولة"، في مسار يهدف – وفق مراقبين – إلى تحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى واقع قانوني دائم يمهد لضم فعلي وفرض السيادة الإسرائيلية على مساحات واسعة من الأرض الفلسطينية.
وسيحول القرار أراضي فلسطينية واسعة في الضفة الغربية المحتلة إلى "أراضي دولة"، شريطة ألّا تُثبت بشأنها ملكية أخرى وذلك في إطار عملية بطيئة ومتدرجة، ستنفذها سلطات الاحتلال بعد توافر المعلومات القانونية الكاملة بكل وحدة أرض.
طالع المزيد: قرار تسجيل الأراضي بالضفة أخطر خطوات "الضم الزاحف" وتكريس السيطرة الإسرائيلية
وعلى المدى الطويل، فإنه بالنتيجة للقرار ستتعزّز مسارات السيادة في الضفة بشكل وصفته صحيفة صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية بأنه "من الأسفل إلى القمة"، ما يعني أنه حتى بغياب قرار سياسي بفرض القانون، يعزّز الاحتلال على نحوٍ ملموس سيطرته على الأرض عبر تسجيل طابو الأراضي "التي لا مالك آخر لها".
مدير وحدة مراقبة الاستيطان في معهد الأبحاث التطبيقية "أريج" سهيل خليلية، يرى أن (إسرائيل) تتحرك للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الواقعة تحت سيطرتها العسكرية، عبر إعلانها "أملاك دولة"، بما يسمح بضمها لاحقاً إلى مجالس المستوطنات.
ويوضح خليلية لصحيفة "فلسطين"، أن نحو 20% من مساحة الضفة الغربية مصنفة حالياً كمناطق عسكرية مغلقة، وهي مناطق تسعى (إسرائيل) إلى تحويلها إلى أملاك دولة. كما تسعى وفق القرار الجديد، إلى إضافة 25% من مساحة الضفة لتصبح 45% تحت مسمى "أملاك دولة"، ولا يُخفي احتمالية توسع النسبة مستقبلاً لتصل إلى 50%، في حال استُكملت إجراءات تسجيل بقية أراضي المناطق المصنفة "ج".
مدير وحدة مراقبة الاستيطان في معهد الأبحاث التطبيقية "أريج" سهيل خليلية
ويستند الاحتلال، بحسب خليلية، إلى تفسيره لقوانين الأراضي العثمانية، التي تنص على أن الأرض التي لا تُزرع أو لا تُستغل لفترة زمنية معينة يمكن اعتبارها أرض دولة. وبموجب هذا التفسير، تُصنَّف مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية غير المزروعة كأملاك دولة، ما يسهل الاستيلاء عليها.
كما وضعت سلطات الاحتلال شروطاً معقدة أمام الفلسطينيين لإثبات ملكيتهم، عبر طلب وثائق رسمية قديمة يصعب توفيرها، وفي حال عدم تقديمها تُصادر الأرض وتُسجل كأرض دولة.
طالع المزيد: عودة "الإرباك الليلي" في الضفة.. تصعيد شعبي لمواجهة اعتداءات المستوطنين
هندسة جغرافية
يؤكد خليلية أن (إسرائيل) تسعى من خلال هذه الخطوة إلى خلق واقع جغرافي جديد يجعل الطعن في قراراتها أمراً بالغ الصعوبة. فحين تُسجل الأرض رسمياً كأملاك دولة، يتحول النقاش من نزاع على مصادرة مؤقتة لدواعٍ أمنية إلى واقع قانوني دائم يصعب التراجع عنه.
ويضيف أن تقسيم الضفة الغربية إلى كتل وأجزاء جغرافية منفصلة ليس أمراً جديداً، بل سبق القرار الحالي، من خلال شبكة طرق التفافية خاصة بالمستوطنين، وأكثر من ألف حاجز عسكري، إضافة إلى السواتر الترابية ونقاط التفتيش التي تفصل بين المحافظات الفلسطينية بل وحتى داخل المحافظة الواحدة.
السيناريو المتوقع، وفق خليلية، يتضمن تقسيم شمال الضفة إلى قسمين، بما يعمّق العزل الجغرافي ويحوّل التجمعات الفلسطينية إلى كانتونات منفصلة. ويرى أن ما يجري يتجاوز قدرة أي جهة فلسطينية رسمية على التعامل معه منفردة، لأنه يمس مجمل الشعب الفلسطيني ويشكل تحولاً سياسياً شاملاً يتطلب تعاطياً جماعياً وذكياً لمواجهة الوقائع الجديدة.
نهاية أوسلو
من جهته، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن القرار يمثل محاولة إسرائيلية لشرعنة وقوننة الاحتلال، عبر تثبيت السيادة الإسرائيلية على الأرض، بما ينسف عملياً الأسس التي قامت عليها اتفاقية أوسلو.
طالع المزيد: سموتريتش يعلن خطة لتشجيع تهجير الفلسطينيين وإلغاء اتفاقيات أوسلو
ويبين عوض لـ"فلسطين"، أن هذه الإجراءات تمنح (إسرائيل) حرية كاملة في التصرف بالأراضي الفلسطينية والمراعي والآبار والطرق وموارد الزراعة، فوق الأرض وتحتها، بحيث تتعامل مع الضفة كما تتعامل مع أراضي عام 1948، أي باعتبارها جزءاً من سيادتها.
الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض
ويصف عوض القرار بأنه "نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة"، حيث تتحول الضفة من أرض محتلة وفق القانون الدولي إلى مساحة تُدار فعلياً كجزء من مؤسسات ووزارات حكومة الاحتلال، في تفاصيل الحياة اليومية، ما يعني تهميشاً واضحاً لدور السلطة.
في سياق، يؤكد عوض أن هذه القرارات سيكون لها انعكاسات مباشرة على الفلسطينيين، عبر مصادرة الأراضي، وتقييد التوسع العمراني، ومنع التطور الحضري، والسيطرة على الموارد الطبيعية، وصولاً إلى تهجير السكان من مناطق تسعى إسرائيل إلى فرض السيطرة عليها.
ويرى عوض أن (إسرائيل) تنتهج سياسة ضم غير معلنة، لكنها إذا استمرت بهذا المسار قد تعلن رسمياً فرض السيادة على الضفة الغربية، خاصة في ظل ترسيخها لواقع يصعب التراجع عنه مستقبلاً.
ويحذر من أن (إسرائيل) تعزز خطاباً يعتبرها "صاحبة الأرض الأصلية"، ويعامل الفلسطيني كضيف، بما يغذي سياسات التهجير التي تسعى إليها منذ سنوات طويلة.
ومما لا شك فيه أن القرار الإسرائيلي سيضع السلطة أمام مفترق صعب، وفق عوض، متسائلاً عما إذا كانت ستستمر في التعاطي ضمن الإطار القائم، أم ستتخذ قرارات سياسية مختلفة تتناسب مع المرحلة الجديدة.
كما يدعو إلى موقف عربي فاعل، في حال كانت الدول العربية معنية بحل الدولتين واستقرار الفلسطينيين، عبر الضغط على (إسرائيل) والولايات المتحدة لوقف هذه القرارات، التي تقوض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.