في قلب إحدى مقابر غزة، يستقبل إبراهيم أبو زرينة مع أطفاله وزوجته شهر رمضان، محاولًا صناعة حياة داخل خيمة نزوحه القسري بجوار الأموات.
تُطل الخيمة مباشرة على القبور. هناك، يحاول الأب أن يصرف أنظار أطفاله عن شواهد الموت، ويدفعهم إلى التأقلم مع واقع قاسٍ فرضته حرب الإبادة، بعد أن وجد نفسه واحدًا من مئات آلاف النازحين المتكدسين في أقل من نصف مساحة القطاع، في حين يسيطر الاحتلال عسكريًا على ما تبقى منه.
يقول أبو زرينة لـ "فلسطين أون لاين" إنه ينحدر من حي الشجاعية شرق غزة، وقد جرّف الاحتلال منزله الواقع ضمن ما بات يُعرف بالمنطقة الصفراء، ويقيم حاليًا في خيمته داخل تلك المقبرة جنوب شرق المدينة.

وعن المفارقة في محاولة صناعة حياة بين الأموات، يقول إن أسرته مجبرة على التعايش مع ظروفه، إذ لم يجد بيتًا أو مكانًا آخر.
"يسألني أطفالي عن القبور، ما هذا؟ فأقول لهم لا تفكروا بها، انشغلوا فقط بما يمكن أن يسعدكم"، يتابع حديثه، بينما تتوزع نظراته في أرجاء المقبرة. ويصف الحياة اليومية هناك بأنها "روتين يومي"، لا فرق بين الأيام.
ويضيف: يبدو أن الغرب يعدّنا أمواتًا أو مجرد أرقام، لكننا نريد أن نحيا مع أطفالنا، حتى وإن كان ذلك في المقبرة. نحن لسنا أرقامًا، ونريد أن نعود إلى أرضنا وإن أقمنا عليها خيمة، على الأقل نكون في منطقة سكننا.
ويستحضر الشاب صورة رمضان قبل الحرب قائلًا: "كنا نزين الشارع من أوله لآخره، فهذا الشهر يمثل مناسبة عظيمة، لكن اليوم يغيب عنا الكثير من تلك المظاهر".
ولا تقتصر معاناة أبو زرينة على شح المياه اللازمة للغسل أو الشرب، وانعدام مصدر الدخل، بل تمتد إلى أسراب البعوض والذباب، والكلاب التي تقض مضاجعهم ليلًا.
وتعاني طفلته الصغرى سناء (عام ونصف) من مرض الربو الذي أصابها بسبب نواتج صواريخ الاحتلال الإسرائيلي، وتتطلب حالتها علاجًا يجده بالكاد، في ظل تقييد إدخال المستلزمات الطبية، ومنظومة صحية شبه منهارة بفعل الحرب.
وفي خيمة مجاورة، يقيم ابن عمه محمد أبو زرينة مع أسرته أيضًا، بعدما ضاقت بهم سبل النزوح.

يقول لـ "فلسطين أون لاين": شهر رمضان يقبل علينا ونحن في مقبرة. هذا هو المكان الذي استطعنا أن نقيم فيه في ظل عدم وجود بديل أو مأوى.
ويضيف: من ناحية ثانية لا نعرف كيف سنتدبر أمورنا المعيشية خصوصًا خلال هذا الشهر.
ويشترك الشاب مع بقية النازحين في المقبرة في المعاناة ذاتها من انتشار الحشرات وقسوة تفاصيل الحياة اليومية، فيما تعجز الخيمة عن حمايتهم من حر الصيف أو مطر الشتاء.
ويأمل أبو زرينة أن تُحسّن اللجنة الوطنية لإدارة غزة المشكلة حديثًا من الوضع المعيشي للغزيين، وأن توفر لهم الكرفانات، وتبدأ بعملية إعادة إعمار ما دمره الاحتلال.
محاولات للتأقلم
على بُعد أمتار قليلة، تعيش عائلة الأربعيني زياد حمدية في خيمة تُطل على القبور أيضًا، بمن فيهم نجلها العريس عدي.
كانت العائلة تقطن في حي الشجاعية، قبل أن يدمر الاحتلال منزلها ويسيطر على المنطقة عسكريًا. وخلال الحرب نزحت قسرًا نحو 30 مرة.
"لم نخترها ولكنها اختارتنا"، يختصر حمدية لصحيفة "فلسطين" بهذه الكلمات واقع معيشته بجوار القبور، مضيفًا: وجدت المقبرة أفضل مكان. لا يوجد مكان آخر يتسع لأقيم فيه خيمة.

وكان يعمل في مجال المقاولات قبل الحرب، ويعيل اليوم ثمانية أبناء يقيمون معه، لكنه بلا مصدر دخل ويعتاش على ما تيسر من المساعدات. ومع حلول رمضان، يصف واقعه الحالي بأنه "أسوأ من ذي قبل".
وعن حياته في المقبرة، يوضح أنه يتألم كلما نظر إلى أبنائه الذين يعيشون بجوار القبور، لكنه يتظاهر أمامهم بعدم الاكتراث، ليدفعهم نحو التأقلم وممارسة حياتهم اليومية.
وفي هذا المكان، تنبش الكلاب بعض القبور أحيانًا، فيتولى حمدية إعادة إغلاقها، في مشهد تكرر مرارًا.
ويعتقد الرجل أن لجنة إدارة غزة ستواجه مزيدًا من العراقيل الإسرائيلية في طريقها لتخفيف معاناة الغزيين، مشيرًا إلى أن الاحتلال يحارب كل فلسطيني لكونه فلسطينيًا، لكنه يأمل أن تتمكن اللجنة من توفير الكرفانات للأهالي قريبًا.
ومع حلول رمضان، يتمسّك هؤلاء النازحون بأمل أن يكون شهر رمضان الذي يليه في بيتٍ لا يجاور الموت.

