فلسطين أون لاين

إيران... وأوراق الحسم في المواجهة المرتقبة

على مسافة خمسمائة ميل من سواحل إيران، حيث يمتد الأفق الأزرق ليحتضن زرقة الخليج، تطفو اثنتان من أعقد الآلات الحربية التي ابتكرتها البشرية. هناك، حيث تلتقي الأمواج بالصمت، ترسو حاملتا الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن" و"يو إس إس جيرالد ر. فورد"، كجبلين عائمين من الفولاذ والنار. تحيط بهما ست مدمرات من فئة "أرلي بيرك" كحرس قديم يتربص بالمجازر، وتظللهما طائرات الشبح "إف-٣٥" التي تمخر عباب السماء كطيور خرافية من عالم آخر. إنه جيش لا يُقهر... نظرياً.

لكن في مقر القيادة المركزية الأمريكية بقاعدة "ماكديل" الجوية في فلوريدا، قبل يومين فقط، ساد صمت قاتم كصمت المقابر. كان الخبراء والمحللون العسكريون يحدقون في أرقام لا هوادة فيها، كمن يقرأ نبوءة لا مفر منها. صور الأقمار الصناعية لقاعدة عسكرية بالقرب من أصفهان تظهر سبعاً وأربعين شاحنة، كل منها تحمل في جوفها خمس طائرات مسيرة من طراز "شاهد ١٣٦".. تلك الطيور الحديدية الصامتة التي لا تكلف الكثير، لكنها تحمل في جناحيها الموت المحقق. كان المجموع مائتين وخمساً وثلاثين طائرة جاهزة للإطلاق الفوري. وهذه مجرد قاعدة واحدة من بين أربعين قاعدة تجميع مماثلة في ربوع إيران المترامية.

المعادلة التي قدمها المحللون كانت صادمة كصفعة على وجه الماء الراكد: تسعة آلاف وأربعمائة طائرة مسيرة يمكن إطلاقها في غضون ساعات، مقابل خمسمائة وأربعين صاروخاً اعتراضياً فقط تحمله المدمرات الست لحاملتي الطائرات. لكن الجزء الأكثر إثارة للصمت كان اعتراض الاتصالات العسكرية الإيرانية التي تشير إلى أن هذا ليس المخزون الكامل. القادة الإيرانيون يدّعون امتلاك ثمانين ألف طائرة مسيرة من طراز "شاهد" في الاحتياط، مع قدرة إنتاجية تصل إلى أربعمائة طائرة يومياً.

هذه الأرقام، حتى مع أخذها بدرجة من التحفظ، ترسم ملامح استراتيجية إيرانية واضحة المعالم، وتجعل من ترجيح كفة طهران في أي مواجهة مرتقبة أمراً منطقياً يستند إلى معادلات رياضية واقتصادية وعسكرية صارمة.

استراتيجية "الردع بالتكلفة" – حين تخسر أمريكا قبل أن تبدأ المعركة

ما أدركه القادة الإيرانيون، وتثبّته التحليلات الاستخباراتية الأمريكية الآن، هو أن الحرب لم تعد كما كانت. لم تعد معركة بين أقوى الأسلحة، بل بين "التكلفة" و"الفعالية". هنا يكمن سر التفوق الإيراني، كمن يكتشف أن سيفاً مصنوعاً من الحديد العادي قد يفل من سيف من ذهب إذا كثرت الضربات.

المعادلة الاقتصادية للصراع تقول: صاروخ "SM-6" الاعتراضي الأمريكي يكلف أربعة ملايين دولار للصاروخ الواحد، بينما لا تكلف طائرة "شاهد ١٣٦" الإيرانية أكثر من عشرين إلى خمسين ألف دولار فقط. هذا يعني أن إيران تستطيع بناء ما بين ثمانين إلى مائتي طائرة مسيرة بتكلفة صاروخ أمريكي واحد.

في السيناريو الذي عرضه المحللون الأمريكيون في فلوريدا، إذا أطلقت إيران ألف طائرة مسيرة في وقت واحد، فإن المدمرات الست تستطيع إسقاط خمسمائة وأربعين طائرة فقط في أفضل الأحوال، تاركة أربعمائة وستين طائرة تخترق الدفاعات كالجراد الذي لا يوقفه شيء. هذه ليست معركة عسكرية تقليدية، بل حرب استنزاف اقتصادية ، والولايات المتحدة مترددة في خوضها خوفاً من تعرضها لخسارة واضحة في القراءة الاقتصادية عند المقارنة السعرية بين الطائرات المسيرة الإيرانية والمضادات الأمريكية لتلك المسيرات.

الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية، طرح السؤال المصيري في غرفة مكتظة بالعرق والقلق: إذا شنت إيران هجوماً مكثفاً، فكم عدد الهجمات التي يمكننا صدها؟ الإجابة كانت صادمة كبرد الشتاء على وجوه الصيادين: ليس إلى أجل غير مسمى. في النهاية، ستنفد الصواريخ، أو الأموال، أو كلاهما.

الضربة القاضية لإسرائيل – استراتيجية "كسر الردع" وإحياء المقاومة

الهدف الإيراني الأكبر يتجاوز مجرد إلحاق الخسائر بالأسطول الأمريكي. طهران مصممة على توجيه "ضربة قاضية لإسرائيل" تكون نقطة تحول استراتيجي في المنطقة. هذا الهدف ليس عاطفياً أو أيديولوجياً فقط، بل هو عسكري واستراتيجي بامتياز، لاسباب واعتبارات مهمة، باعتبار إسرائيل هي الهدف الأسهل والأكثر تأثيراً على القرار الأمريكي.

تقارير "Fox News" تشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأجيل ضربة سابقة بسبب نقص الصواريخ الاعتراضية. إيران تعوّل على أن إسرائيل، التي تمتلك دفاعات جوية متطورة لكن مخزونها محدود كـ "آرو" و"حيتس" و"القبة الحديدية"، ستنفد ذخيرتها في الأيام الأولى من المواجهة، كقارورة ماء في صحراء لا تنتهي.

إسرائيل نشرت سبع كتائب للدفاع الجوي موزعة على خمس طبقات دفاعية، بما فيها نظام "Iron Beam" الليزري الذي دخل الخدمة حديثاً. لكن حتى هذا النظام، رغم فعاليته، لا يستطيع التعامل مع آلاف الأهداف في وقت واحد. السيناريو الإيراني يعتمد على إغراق الدفاعات الإسرائيلية بأعداد هائلة من المسيّرات والصواريخ، بحيث يحدث "شرخ كبير" في هذا الدرع الوهمي.

ووفقاً لتحليل الخبراء في "Ynet" العبرية، فإن إيران تخطط لاستخدام ترسانتها الصاروخية والمسيّرة لاستهداف القواعد الجوية الإسرائيلية مثل "نيفاتيم" و"حتسور"، ومراكز القيادة، ومنصات الدفاع الجوي. الهدف هو "شل حركة الجيش الإسرائيلي" ومنعه من إدارة المعركة، كمن يقطع أوصال جسد قبل أن يتمكن من الحركة.

وتريد إيران من هذه الضربة أن تعيد الحياة لحركات المقاومة التي تعرضت لضربات قاسية، لكنها لم تهن بعد. ضربة إيرانية كبرى ضد إسرائيل تهدف إلى كسر شوكة الجيش الإسرائيلي، وفتح ثغرات في جداره الدفاعي، مما يسمح لحركات المقاومة والجهاد باستعادة زخمها الميداني وتحقيق انتصارات على الأرض تعيد بناء قدرتها على التجييش. كما تريد تحويل إسرائيل إلى "اقتصاد ذخائر" تنفد مع كل موجة هجوم، مما يقطع الإمداد الدفاعي عن مدنها وجيشها. والأهم من ذلك كله، كسر هيبة الردع الإسرائيلي الذي بنته إسرائيل منذ عقود على أساس أنها "لا تُقهر". إيران تريد تدمير هذه الأسطورة بشكل نهائي، كمن يحطم تمثالاً من زجاج كان يظنه الناس حديداً.

لماذا كفة إيران هي الأرجح؟

الرقم الذي جعل الجنرالات يصمتون في غرفة العمليات الأمريكية، ثمانون ألف طائرة مسيرة، ليس مجرد رقم دعائي يلقى في مهب الريح. حتى لو كان أقل من ذلك بكثير، فإن القدرة الإيرانية على إنتاج أربعمائة طائرة يومياً تعني أن أي حرب استنزاف طويلة ستنفد فيها ذخائر أمريكا وإسرائيل قبل أن تنفد المسيّرات الإيرانية، كمن يناضل بكنز لا ينضب ضد من يملك نقوداً معدودة.

إيران تمتد على مساحة شاسعة، مع منصات إطلاق متنقلة يمكن نشرها في أي مكان. مواقع الإطلاق في بوشهر، بندر عباس، وآلاف المواقع الأخرى تجعل من المستحيل تدمير كل القدرات الإيرانية في ضربة أولى. هذا يعني أن إيران قادرة على شن هجمات متعددة ومستمرة، حتى بعد تدمير جزء كبير من بنيتها التحتية، كالنبع الذي كلما غرفت منه ازداد تدفقاً.

ولا تعتمد إيران على الطائرات المسيرة فقط، بل ترسانتها تشمل صواريخ باليستية مضادة للسفن، وزوارق سريعة تعمل بأسلوب "أسراب الذئاب" التي تهاجم في الليل، وغواصات صغيرة من فئة "قادير" تستطيع الاختباء في المياه الضحلة كأسماك القرش المتربصة، وآلاف الألغام البحرية الجاهزة للنشر، وقدرات الحرب الإلكترونية لتعطيل أنظمة الرادار والاتصالات. هذا المزيج يخلق بيئة معقدة للغاية لأي قوة بحرية، ويجعل من المستحيل تقريباً تأمين جميع نقاط الضعف.

ويؤكد قادة في الحرس الثوري، مثل العميد سيد مجيد موسوي، أن القوات الجوفضائية وصلت إلى "أعلى مستويات الاستعداد الدفاعي" وأن نقاط الضعف التي كشفتها الحروب السابقة تمت معالجتها بالكامل. هذا يعني أن إيران ليست فقط قادرة على الهجوم، بل هي مستعدة لتحمل ضربات مضادة والاستمرار في القتال، كالشجرة التي كلما قطعت أغصانها، ازدادت جذورها عمقاً في الأرض.

وإسرائيل هي نقطة الضعف الأكبر في التحالف الأمريكي. سكانها متمركزون في مناطق محدودة، واقتصادها هش، ومجتمعها حساس للخسائر البشرية. سقوط عدة صواريخ على تل أبيب أو حيفا قد يحدث شللاً كاملاً ويجبر الحكومة على وقف القتال. إيران تعرف ذلك، ولهذا تركز على هذه الورقة الرابحة التي قد تقلب الطاولة على الجميع.

سيناريو المواجهة المحتمل

السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس انتصاراً عسكرياً كاملاً بالمعنى التقليدي، بل انتصاراً استراتيجياً إيرانياً من خلال تحقيق أهدافها مع فرض تكلفة باهظة على الخصم. في اليوم الأول، تطلق إيران هجوماً متزامناً بألفين إلى ثلاثة آلاف طائرة مسيرة وصاروخ باليستي من اتجاهات متعددة. الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية تتصدى بنجاح لثمانين بالمائة منها، لكن العشرين بالمائة تخترق كالسهام في الليل. بعض هذه الصواريخ تصيب أهدافاً حيوية: قاعدة جوية إسرائيلية، منشأة نفطية في الخليج، أو حتى مدمرة أمريكية.

في الأيام التالية، تستنزف أمريكا وإسرائيل مخزونهما من الصواريخ الاعتراضية بسرعة، كمن يشرب من بئر لا ينبع. إيران تواصل الإنتاج والإطلاق بلا كلل. الأسواق العالمية تنهار، أسعار النفط تقفز إلى مائتي دولار للبرميل. الضغوط الدولية على واشنطن وتل أبيب لوقف الحرب تتزايد كموج البحر في العاصفة.

في الأسبوع الأول، تطلب إسرائيل مساعدة أمريكية عاجلة لإعادة تزويدها بالصواريخ الاعتراضية. أمريكا تواجه معضلة: إرسال مخزونها الاستراتيجي أو الحفاظ عليه لحماية نفسها. إيران تعلن استعدادها لوقف الهجمات إذا تم رفع العقوبات وبدء مفاوضات من موقع ندية.

النتيجة أن إيران تحقق "نصراً سياسياً" كبيراً. يتم التفاوض على اتفاق جديد تحت النار، تكون فيه طهران في موقع القوة. هيبة الردع الإسرائيلي تتحطم كزجاج تحت أقدام الفيلة. المقاومة الفلسطينية وحزب الله يعودان بقوة. إيران تصبح القوة المهيمنة في المنطقة بلا منازع، كالنسر الذي يحلق وحيداً في السماء بعد أن كانت الطيور تتقاسمها.

العالم ما بعد المواجهة

في المنطقة، تفقد إسرائيل هيبة الردع إلى الأبد. تتحول من "دولة لا تُقهر" إلى دولة تحتاج لحماية أمريكية دائمة. قد تشهد هجرة عكسية وانكماشاً اقتصادياً حاداً كشجرة تقتلع من جذورها. تنتعش حركات المقاومة بشكل كبير، والضفة الغربية قد تشهد انتفاضة جديدة، وحماس والجهاد يعيدان بناء قدراتهما كالنبات بعد المطر.

دول التطبيع كالإمارات والبحرين والمغرب تجد نفسها في مأزق استراتيجي. قد تضطر لإعادة حساباتها بالكامل، والابتعاد عن التحالف الأمريكي كمن يهرب من سفينة تغرق. النفوذ الإيراني يصبح المهيمن بلا منازع و ربما يمتد خارج المنطقة "الهلال الشيعي" يتحول إلى كيان جيوسياسي فعلي. وتركيا تجد نفسها أمام قوة إيرانية صاعدة، مما قد يدفعها للتقارب معها أو لمواجهتها.

في العالم، تتراجع مكانة الولايات المتحدة كحامية لحلفائها. دول الخليج تبدأ بإعادة تموضع استراتيجي سريع نحو الشرق نحو الصين وروسيا. الثقة في "الاستثناء الأمريكي" تتراجع بشكل كبير كمد ينحسر عن الشاطئ. الصين وروسيا تستفيدان من الفراغ الأمريكي، والشرق الأوسط يتحول إلى ساحة نفوذ متعدد الأقطاب، بكين وموسكو تملآن الفراغ.

يتحول النظام العالمي بشكل أسرع نحو التعددية القطبية. بعدما أثبتت القدرات العسكرية المنخفضة التكلفة كالطائرات المسيرة القدرة على تحدي الهيمنة العسكرية الأمريكية. ويدخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي حاد بسبب ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وتنهار سلاسل التوريد العالمية جزئياً.

الخلاصة: لماذا ستربح إيران؟

إيران ستربح ليس لأنها أقوى عسكرياً بالمعنى التقليدي، بل لأنها أكثر قدرة على تحمل التكلفة، وأكثر استعداداً للاستمرار في حرب استنزاف طويلة، وأكثر فهماً لطبيعة الصراع الجديد.

أمريكا وإسرائيل بنتا جيوشهما على أساس "الحروب السريعة والحاسمة" بتفوق تكنولوجي ساحق، كمن يبني قلاعاً من الرمل على شاطئ البحر. إيران بنت جيشها على أساس "حرب العصابات التكنولوجية"، حيث الكم الهائل والرخيص ينتصر على القليل الباهظ الثمن، كأسراب الجراد التي لا يقف أمامها شيء.

الرقم الذي جعل الجميع يصمتون في قاعدة ماكديل الجوية، ثمانون ألف طائرة مسيرة، هو نفسه الذي سيغير قواعد اللعبة. في العالم الجديد، لم يعد النصر حكراً على من يمتلك أحدث طائرة شبح، بل لمن يستطيع تحمل التكلفة الأقل لصراع طويل الأمد، ولمن يستطيع إنتاج آلاف الأسلحة "الجيدة بما يكفي" بتكلفة زهيدة.

إيران تمتلك هذه المعادلة. أمريكا وإسرائيل لا تزالان تحاولان فهمها كمن يقرأ كتاباً بلغة لا يعرفها.

المنطقة والعالم على أعتاب حقبة جديدة، عنوانها الرئيسي هو "غموض الردع"، وإيران هي من تكتب قواعده بدمها ودموعها وصمودها، وفي يدها أوراق الحسم التي قد تقلب الموازين، وتعصف بعروش، وتبني ممالك، وتعيد رسم الخرائط، وتكتب تاريخاً جديداً للشرق الجديد.

المصدر / فلسطين أون لاين