- رونزا (3 أعوام) في حالة "موت سريري" والعائلة تمنع من الزيارة
- تركز الرصاص على مكان كرسي سائق السيارة التي قادها الشهيد "علي"
- أمن السلطة سحلت المصاب سامر سمارة مصابا وأبقته مقيدا رهن الاعتقال
- عائلة "سمارة" تحمل الجريمة لماهر أبو حلاوة المتهم بقضية نزار بنات
بين مخيم الفارعة وبلدة "طمون" قضاء طوباس بالضفة الغربية، وعند الخامسة من مساء الأحد الموافق 15 فبراير/ شباط 2026، لم تمهل أربع سيارات مدنية بداخلها ملثمون ينتمون لجهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة سيارة عائلة "سمارة" بالتوقف لمعرفة سبب الملاحقة، إذ كان الرصاص المنطلق من فوهات بنادق خرجت من نوافذ سيارة المهاجمين تجاه سيارة العائلة أسرع من فهم ما يجري، في لحظة امتلأت المقاعد بالدماء.
فيما ترجل ملثمون من أمن الوقائي لإكمال كمينهم وللإجهاز على هدفهم بإطلاق زخات كثيفة أخرى، ليتبين أن الهدف أطفال وأمهم ووالدهم سامر سمارة وهو مطارد للاحتلال منذ ثماني سنوات، انتهت الجريمة لحظة سكوت الرصاص ليستشهد الفتى علي (16 سنة) وتصاب شقيقته رونزا (3 أعوام) بحالة موت سريري.
تشبه هذه الحادثة، إلى حد كبير قصة استشهاد الطفلة هند رجب على يد جيش الاحتلال في مدينة غزة في 29 يناير/ كانون ثاني 2024، غير أن هند أتيحت لها لحظات للاستغاثة قبل استشهادها، بينما رونزا وعائلتها لم تمنح أي مهلة.
تظهر شهادات جمعها "فلسطين أون لاين" من مصادر عائلية مقربة، أن هدف العملية كان اغتيال المطارد سامر سمارة عن سبق "إصرار وترصد" إذ تركزت معظم الرصاصات على مكان كرسي سائق السيارة، الذي كان يجلس عليه ويقود السيارة علي (16 سنة) فاستشهد على الفور، وأصيب والده بقدميه، وأصيبت شقيقتاه، وأصيبت أمه ونجى شقيقه يزن (17 سنة) بأعجوبة.
بينما أصيبت الطفلة رونزا (3 سنوات) بحالة "موت سريري" بعد إصابتها بالرأس، اخترقت الرصاصة منطقة العين، وأحدثت تهتكا في الدماغ ونزيفا داخليا إضافة لإصابتها برصاصة ثانية باليد، فيما يرجح الأطباء إعلان وفاتها خلال الساعات القادمة لخطورة حالتها، وهي متواجدة بمستشفى رفيديا بنابلس، وتمنع أجهزة أمن السلطة العائلة من تفقد طفلتها.
وفي تسجيل صوتي متداول يروي يزن التفاصيل قائلا: "كلنا حاصرتنا قوات خاصة تابعة للسلطة. أطلقوا الرصاص علينا بالسيارة من بندقيات تشبه سلاح جيش الاحتلال وكانوا ملثمين. استشهد أخي أمامي وأصيب أبي بقدميه واعتقلوه. جيش الاحتلال لم يفعل ذلك".
سحل للمطارد
تكشف شهادات أخرى أن أمن الوقائي قام بإخراج كل من يسكن بمحافظة طوباس من الطواقم الطبية العاملة بمستشفى النجاح، قبل أن يتم سحله وهو مصاب أثناء إدخاله للمشفى، وتفيد تسريبات من المشفى بإجراء عملية قسطرة قلبية له، والتي قد تكون ناجمة عن تداعيات تعرضه لتعذيب أو من الإصابة، علما أن حالته الصحية قبل محاولة الاغتيال جيدة.
وقال مصدر مقرب من العائلة لـ "فلسطين أون لاين" نتحفظ على اسمه لدواع أمنية: إن "الجريمة وقعت على مشارف بلدة طمون وفي أحد الشوارع الرئيسية، وكانت العائلة ذاهبة لزيارة والدهم المطارد والمتخفي عن الأنظار نتيجة الملاحقة المستمرة من جيش الاحتلال، وعندما كان يستقل سيارة مدنية لإعادة أطفاله لمنزلهم، ثم عودته لمكان التخفي وقعت الجريمة، لتنفذ السلطة ما عجز عنه الاحتلال على مدار ثماني سنوات".
وأشار المصدر العائلي إلى أن منزل المطارد ومنازل العائلة تتعرض للاقتحام من جيش الاحتلال والسلطة صباح مساء، وأن عشرات أو مئات المرات هناك مداهمات ومحاولات لاعتقاله واغتياله، واستخدم الاحتلال كل الطرق والأساليب وقواته الخاصة لكنه فشل في الوصول إليه".
وكشف ان الوقائي كان قد أعد كمينًا للعائلة ولحظة وصول السيارة لمنطقة الكمين جرى مطاردتها وإطلاق النار عليها مباشرة من نوافذ أربع سيارات، رغم أنه لم يكن بالسيارة أي سلاح، لافتا، إلى ان الوقائي قام بتهديد سمارة مؤخرا من خلال أطراف محددة بالقتل إذا لم يسلم نفسه لأجهزة أمن السلطة.
وحول الحالة الصحية للمطارد سمارة إضافة للعملية الجراحية، أوضح أن تسريبات الأطباء من داخل المشفى تفيد بتعرضه لإصابتين في القدمين مع وجود شظايا من زجاج السيارة المتناثر في أنهاء جسده، مؤكدا، أن الهدف كان اغتياله بتركيز الرصاص على كرسي السائق، إلا أنه لم يكن هو من يقود.
وأوضح، أنه جرى نقل سمارة لأكثر من مستشفى كمستشفى رفيديا ومستشفى النجاح الجامعي ومستشفى النجاح الوطني بنابلس، وهو مكبل اليدين والقدمين على السرير الطبي تحت إجراءات أمنية مشددة، وبطريقة لا إنسانية.
أحدثت الجريمة حالة من الغليان لدى الرأي العام الفلسطيني، ما دفع المتحدث باسم أجهزة أمن السلطة بإعلان "أسف" السلطة للحادث المأساوي، فيما أعلن جهاز الوقائي تحمله المسؤولية عن الجريمة، وهو اعتبره المصدر العائلي اعترافا بها من قبل الجهاز إلا أن ذلك غير كاف ومحاولة لامتصاص غضب العائلة والشارع الفلسطيني، مؤكدا أن العائلة تطالب بإطلاق سراح سامر سمارة دون قيد أو شرط، والمحاسبة القانونية والشعبية والعشائرية للفاعلين ومن أعطاهم القرار ومن أصدره.
ففي بلدة طمون، لا زال الأهالي يغلقون الشوارع كرد فعل على الجريمة، ما يجعل القضية تخص كل شخص يسكن البلدة التي قدمت مئات الشهداء والتضحيات وفيها مطاردون، إلا "أن المكافأة كانت باستهداف أبنائها" قال المصدر.
وأكد المصدر أن العائلة تعرفت على بعض أسماء منفذي الهجوم وتتحفظ عليهم حاليا، وتعود لمن شارك بالاغتيال ومن أعطى الأوامر.
نفس القاتل
وتظهر المعلومات التي حصل عليها "فلسطين أون لاين" أن ذات المدير بجهاز أمن الوقائي الذي قاد عملية اغتيال نزار بنات خلال توليه منصب مدير عمليات الجهاز بالخليل ويدعى ماهر أبو حلاوة، هو نفسه من قام بالإشراف على جريمة عائلة "سمارة" بعدما تولى قيادة الجهاز بمحافظة طوباس، ما يعني أن المنظومة الأمنية بالضفة توفرت له غطاء للحماية وليس للمحاسبة.
بدأت مطاردة الاحتلال لسامر سمارة عام 2017 بعد تعرضه للملاحقة والإصابة إلا أنه استطاع الهروب من مستشفى العفولة، وبدأت مطارته حتى جرى محاولة اغتياله من أمن السلطة، وقبل بدء المطاردة اعتقل لدى الاحتلال لمدة خمس سنوات على فترات متفرقة، واعتقل لدى السلطة نحو عام ونصف وتعرض لتعذيب خلالها.
وفي قضايا مشابهة لهذه الجريمة لم تقم السلطة محاسبة مرتكبيها، كما جرى مع الناشط السياسي نزار بنات الذي قُتل، صباح يوم 24 يونيو/ حزيران 2021 على أيدي عناصر تابعة للأجهزة الأمنية في رام الله، في بلدة دورا قضاء الخليل بالضفة المحتلة، خلال محاولة اعتقاله على خلفية نشاطه السياسي.
ومنذ مقتل بنات جرت عملية مماطلة وتسويف للقضية من قبل المحكمة العسكرية الدائمة في رام الله وتأجيلها حتى اليوم بدعوى إعادة تبليغ المتهمين، معتبرة غياب المتهمين المتكرر عن جلسات المحاكمة "معذرة مشروعة" بسبب الحواجز التي ينصبها الاحتلال بين المدن الفلسطينية.
وأحدثت الجريمة ردود فعل فصائلية ومؤسسات حقوقية عديدة، إذ أكدت مجموعة محامون من أجل العدالة إن استهداف أجهزة أمن السلطة الفلسطينية مركبة مدنية تقل أطفالًا ونساءً باستخدام القوة المميتة يشكّل جريمة خطيرة وانتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة ولا يمكن تبريره تحت أي ذريعة أمنية أو سياسية.
اقرأ أيضًا: حماس: جريمة طمون "نقطة سوداء جديدة" في سجل أجهزة السلطة
ولفتت المجموعة إلى أن مؤسسات حقوقية وعائلات وثقت اتهامات أكثر من عشرين عائلة للأجهزة الأمنية بالتورط في قتل أبنائهم في حوادث مشابهة أو نتيجة التعذيب، ما يشير إلى نمط ومنهجية خطيرة في استخدام القوة المفرطة والمميتة خارج إطار القانون وفي ظل غياب اي مسائلة فعالة.
ودعت إلى فتح تحقيق جنائي في كافة جرائم القتل المشابهة خلال السنوات الثلاث الماضية منذ اكتوبر 2023، والتي ذهب ضحيتها أكثر من 22 مواطنًا في مدن شمال الضفة الغربية وإحالة كافة المتورطين للمحاكمة.