قائمة الموقع

بين ظلام التيار وصفير الأجهزة… مرضى "شهداء الأقصى" ينتظرون النجاة

2026-02-17T07:17:00+02:00
عملية جراحية على أضواء الهواتف في مستشفى بغزة (أرشيفية)
فلسطين أون لاين

في ممر ضيق يفضي إلى قسم الحضانات داخل مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، جلست أم محمد بدران على مقعد بلاستيكي، تضم شالها إلى صدرها وكأنها تحتضن طفلتها التي تفصلها عنها الآن جدران زجاجية وأسلاك أجهزة. عيناها معلقتان بباب القسم، وكلما انطفأت الأضواء للحظة، يرتجف قلبها قبل أن يرتجف المكان.

تقول بدران لـ "فلسطين أون لاين": "كل مرة ينقطع فيها التيار أشعر أن روح ابنتي تنسحب من بين يدي… حتى لو عاد الضوء بعد دقائق، أنا لا أعود كما كنت".

قبل نحو أسبوع فقط، وضعت بدران مولودتها الأولى بعد سبع سنوات من محاولات الحمل والعلاج والانتظار الطويل. لقد أطلقت عليها اسم "نور"، لأنها جاءت إلى حياتها بعد سنوات من الظلام.

"سبع سنوات وأنا أدعو الله أن يرزقني طفلا… سبع سنوات أراقب أطفال الآخرين يكبرون أمامي، بينما غرفتي بقيت صامتة بلا بكاء رضيع- تضيف الأم.

تتوقف قليلا، تمسح دموعها بطرف حجابها، ثم تتابع: "عندما أخبرني الطبيب أنني حامل، لم أصدق. كنت أخشى أن أفرح. ظللت أضع يدي على بطني كل ليلة وأقول: يا رب لا تحرمني هذه المرة".

لكن نور وُلدت قبل أوانها بأسابيع، وجرى إدخالها إلى الحضانة بسبب ضعف التنفس وانخفاض الوزن. منذ ذلك الحين، لم تحملها أمها إلا ثوانٍ معدودة.

تقف الأم أمام الزجاج، تشير إلى صندوق الحضانة الصغير: "هناك… هذه ابنتي. لا أستطيع لمسها، لا أستطيع إرضاعها، فقط أنظر إليها وأتوسل أن تبقى على قيد الحياة".

في كل مرة ينقطع التيار، يدخل القسم في صمت ثقيل، ثم يبدأ هدير المولد الصغير. تقول الأم إن تلك الثواني هي الأطول في حياتها "حين تنطفئ الأجهزة، أشعر أن العالم كله توقف. أضع يدي على الزجاج وأقرأ ما أحفظ من القرآن… أرجو أن يبقي الله النفس في صدرها".

وتتابع: "لا أحتمل فكرة أن أفقدها الآن. كيف يمكن أن يأخذها الظلام بعد أن أعطاني الله إياها بعد كل هذا الصبر؟".

الأطباء والممرضون يتحركون بسرعة كلما تذبذب التيار، يحاولون تثبيت الأجهزة وضمان استمرار عملها. ومع كل عودة للكهرباء، تتنفس الأم الصعداء، لكنها تقول إن الخوف لا يغادرها.

خطر وشيك

ويواجه مستشفى شهداء الأقصى خطر توقف كامل ووشيك عن العمل، نتيجة تعطل المولدات الكهربائية الرئيسية ونقص حاد في الوقود والزيوت وقطع الغيار، ما يهدد حياة مئات المرضى، خصوصا في أقسام العناية المركزة والحضانات وغرف العمليات.

وأفادت إدارة المستشفى بأن المولد الكهربائي الرئيسي الثاني خرج عن الخدمة مؤخرا، بعد تعطل المولد الأول منذ فترة، في ظل نفاد الوقود وعدم توفر الزيوت وقطع الغيار اللازمة لإجراء أعمال الصيانة.

ويعمل المستشفى حاليا بحد أدنى من الطاقة عبر مولدين صغيرين فقط، في ظروف تشغيلية وصفت بأنها "هشّة" ولا تغطي الاحتياجات التشغيلية الكاملة للمرافق الطبية.

يشمل خطر الانقطاع الكامل أقساما حيوية، أبرزها: العناية المركزة، حضانات الأطفال حديثي الولادة، غرف العمليات، أجهزة غسيل الكلى، المختبرات الطبية.

ويعني توقف الكهرباء عن هذه الأقسام تعطل الأجهزة الحيوية وشلل الخدمات الطبية، ما قد يؤدي إلى نتائج كارثية على المرضى.

وأطلقت إدارة المستشفى نداءات استغاثة عاجلة للمؤسسات الدولية والجهات الإنسانية، مطالبة بتوفير الوقود والزيوت وقطع الغيار بشكل فوري، لتجنب انهيار الخدمات الصحية وحدوث كارثة إنسانية وشيكة في المنطقة.

ويأتي هذا التحذير في ظل الضغط الكبير الذي يواجهه القطاع الصحي في غزة، مع استمرار نقص الإمدادات الأساسية وصعوبة تشغيل المرافق الطبية الحيوية.

دهر من الألم

في الطابق الذي يجاور وحدة العناية المركزة داخل مستشفى شهداء الأقصى، يستلقي عبد الرحيم فياض (56 عاما) على سرير غسيل الكلى، ذراعه موصولة بأنبوب شفاف يحمل دمه إلى جهاز لا يتوقف عن الطنين. يراقب الأرقام الخضراء على الشاشة كما لو أنها تقرأ عمره بالدقائق.

يقول فياض بصوت متعب لـ "فلسطين أون لاين": "هذه الآلة لا تنظف دمي فقط… إنها تبقيني حيا".

يعاني الرجل من فشل كلوي مزمن منذ خمس سنوات، ويحتاج إلى جلسات غسيل ثلاث مرات أسبوعيا. قبل الحرب، كان يعتبر الجلسة عبئا ثقيلا، لكنه اليوم يراها خط الدفاع الأخير بينه وبين الموت.

ويضيف: "كنت أشتكي من طول الجلسة… الآن أخاف أن تنتهي قبل وقتها".

حين ينقطع التيار الكهربائي، يتوقف الجهاز فجأة، ويعم الصمت المكان قبل أن يعمل المولد الاحتياطي. تلك اللحظات القليلة، كما يقول، تبدو دهرا كاملا "عندما يتوقف الجهاز، أشعر كأن الدم تجمد في عروقي… أنتظر أن يعود الصوت، لأن عودته تعني أن قلبي سيستمر".

ينظر إلى السقف، ثم يضيف: "نحن هنا لا نقاتل المرض فقط.. نقاتل الوقت والكهرباء والوقود وكل شيء".

كان فياض يعمل نجارا في دير البلح، يقضي يومه بين الخشب ورائحة الغراء، قبل أن ينهك المرض جسده. اليوم لم يعد قادرا على العمل، ويعتمد على أبنائه الثلاثة لتأمين احتياجات الأسرة "أصعب ما في المرض ليس الألم… بل شعورك أنك أصبحت عبئا على من تحب".

في كل جلسة، يرافقه ابنه الأصغر حتى باب القسم، ثم ينتظر في الخارج لساعات. يقول فياض إنه يتظاهر بالقوة أمام أبنائه "أقول لهم إنني بخير… لكنني في الداخل أخاف. أخاف أن يتوقف الجهاز مرة ولا يعود".

يشير إلى الأجهزة حوله، حيث يرقد مرضى آخرون في صمت ثقيل: "كل واحد منا هنا يحمل قصة، لكننا نتشابه في شيء واحد… نحن مربوطون بالحياة عبر أنابيب رفيعة".

مع كل انقطاع للكهرباء، تتسارع خطوات الطاقم الطبي، وتعلو أصوات الأجهزة عند عودتها. يغمض فياض عينيه في تلك اللحظات، ويتمتم بدعاء قصير "أقول: يا رب، ليس الآن… دعني أعود إلى بيتي مرة أخرى".

يشتاق إلى الجلوس أمام منزله في المساء، إلى رائحة الخبز التي كانت تعده زوجته، وإلى أحفاده الذين يركضون حوله "أريد فقط حياة عادية… كوب شاي، وضحكة حفيدي، ونوم هادئ دون صوت أجهزة".

لكن الواقع داخل القسم يذكره دوما بهشاشة الحياة. يرفع رأسه قليلا وينظر إلى الجهاز بجانبه، ثم يقول: "حياتي الآن ليست سنوات ولا شهورا… حياتي تقاس بمدة عمل هذه الآلة".

يصمت لحظة، ثم يضيف بصوت منخفض: "نحن لا نطلب المعجزات… نطلب فقط أن يستمر التيار، لكي تستمر الحياة".

اخبار ذات صلة