ليست مشكلتنا اليوم نقصا في التعاطف الدولي أو في الأزمة المالية، فهذه اعراض لا اصل الداء، فالداء هو غياب مسار وطني واحد، وتحوّل المشروع الوطني الى مسارات مشتتة تتنافس على المعنى والشرعية والقرار، فيما يواصل الاحتلال مشروعه.
الاحتلال لم يبن قوته فقط بالسلاح، بل ببنية سياسية ومنظومة قرار، وبقدرته على تحويل الوقت إلى اداة سيطرة، اما الفلسطينيون، فدخلوا تجربة سياسية قامت على فكرة ان الممكن يمكن ان يتحول مع الزمن الى حق، وان مسارا تفاوضيا يمكن ان يأتي بدولة، لكن اي دولة، وعلى اي ارض، وباي ميزان قوى؟
منذ أكثر من ثلاثين عاما جرى تسويق العملية السياسية على انها طريق الخلاص، غير انها ولدت ميتة، لانها قامت على اختلال بنيوي في ميزان القوى والتحالفات، وما بدا اتفاقا في الشكل، كان في الواقع املاء تحت ضغط الشعور بالهزيمة والعزلة، ولم يكن قائما على التزامات متبادلة، ولا اليات تحكيم حقيقية، لان الرعاة كانوا منحازين منذ البداية، ولان الفلسطيني دخلها ضعيفا منهكا مشتتا، بلا رؤية سياسية ناضجة، او مرجعية جامعة تحفظ الحد الادنى من المصالح الوطنية.
لهذا كانت المفاوضات السرية وسيلة لتمرير ما لا يمكن تمريره علنا، والسرية لم تكن تفصيلا تقنيا، بل اقرارا ضمنيا بان ما يجري لا يحتمل الضوء، فكانت النتائج كارثية، مشروع الدولة تحول تدريجيا الى واقع اداري، سلطة مقيدة، وارض تتآكل، واحتلال يُمنح الوقت والهدوء ليعيد هندسة الجغرافيا.
تحت راية السلام ازدهرت مشاريع الاستيطان، وتسارعت السيطرة على الارض، واشتد الحصار، وفرغت الأرض من مضمونها السكاني والسياسي، والقي بالفلسطيني في بحر المرحلة الانتقالية، وقيل له اسبح نحو شاطئ الدولة، فسبح لعقود ليكتشف انه كان يسبح بالاتجاه المعاكس، وكلما ظن انه اقترب، ازداد غرقا، حتى صار الرجوع الى نقطة البداية لا يقل صعوبة عن الاستمرار.
وفوق ذلك كله برز خلل اعمق في الاطار التمثيلي نفسه، فمنظمة التحرير الفلسطينية التي انشئت لتكون مظلة الفلسطينيين، وجاءت في سياق عربي معروف، وهو نقل القضية من دائرتها الكبرى، قضية امة، الى دائرة اضيق، قضية شعب، بما يخفف عن الانظمة عبء المواجهة، ومع الزمن، بدل ان تتطور المنظمة الى اطار جامع يعكس التعدد الفلسطيني ويحتضن كل قواه، جرى احتكارها، واعيد تشكيل قرارها بما يخدم مسارا سياسيا بعينه، لا الاجماع الوطني.
بالتوازي، تحوّل حلم الدولة الى كيان اداري، ما لبث ان تحول الى غاية بحد ذاته، بعد ان كانت اداة من ادوات متعددة لإنجاز التحرر، وبالتالي اعيد ترتيب الخطاب والتحالفات والاولويات حول بقائه، لا حول انهاء الاحتلال، فوقع الخلل البنيوي الكبير، وانحرفت البوصلة من التحرر إلى الإدارة، ومن المشروع الوطني الى المحافظة على كيان مقيد.
وفي خضم هذا الواقع، جاء السابع من اكتوبر كمحاولة لإعادة ضبط ديناميكيات الصراع، وكسر معادلة الاستفراد الإسرائيلي، غير أن الانقسام الداخلي، وغياب مرجعية وطنية واحدة، سمحا للاحتلال بتحويل اللحظة التاريخية الى فرصة، مستندا إلى حماية سياسية وعسكرية وتحالفات واسعة، فحاول كسر الحلم الفلسطيني بالنار والدم، ما عمق ازمته السياسية والوجودية معا.
وفي موازاة ذلك، برز الاعتراف الدولي بفلسطين بوصفه إنجازا تاريخيا، لكنه ظل معلقا، فما الذي يضيفه ان لم يغير ميزان القوى على الأرض؟ هل اوقف استيطانا؟ وهل فك حصارا؟ الاعتراف، في افضل حالاته، تثبيت قانوني لحق قائم، لا منحة سياسية، وهو واجب على الدول، لا مكرمة، قيمته الحقيقية تقاس بمدى ترجمته الى اجراءات ملزمة، من مساءلة وعقوبات، وما دون ذلك، يبقى اعترافا رمزيا، والخطر ان يتحول الاعتراف الى بديل عن الفعل، ومبرر للقعود وانتظار معجزة، والى تعويض معنوي عن غياب الفعل، لان الحقوق لا تُستعاد بالتصفيق الدبلوماسي، بل بإرادة سياسية موحدة، قادرة على استثمار اي اعتراف ضمن استراتيجية واضحة المعالم ومحط اجماع.
هنا تكمن العقدة الأساسية، تعدد المسارات، فالتنوع السياسي ليس مشكلة، لكن تعدد مراكز القرار قاتل، والمقاومة ليست المشكلة، بل المشكلة في غياب السقف الوطني الجامع الذي يوحد جهودها، فلا يذكر التاريخ ان حركة تحرر انتصرت وهي تعيش بقرارين، وبرنامجين، وسرديتين متضادتين، فالاحتلال يراهن على الوقت وعلى تفكيك خصمه، وكلما طال الانقسام، كانت الكلفة مضاعفة، لذلك لا مخرج الا ان يجتمع الفلسطينيون على مسار وطني واحد، يتمثل ببرنامج تحرري واضح، ومرجعية جامعة، حقيقية لا محتكرة، وقرار سياسي موحد، وشراكة تقوم على توحيد الغاية، لا تقاسم النفوذ، فإما مسار واحد، او استمرار السباحة عكس التيار حتى الغرق، لان الوحدة في هذا الظرف ليست ترفا سياسيا، بل هي شرط التحرير.