بينما تحطمت البيوت والمساجد تحت وابل القصف، انطلقت في غزة معركة صامتة لإعادة الحياة الروحية والنفسية للأطفال والشباب، من خلال القرآن الكريم، محولة الركام والفقد إلى طاقة استنهاض وبناء الإنسان.
وفي حوار خاص مع محمد أبو شعبان، مسؤول ملف مراكز التحفيظ في دار القرآن الكريم والسنة، أكد أن رسالة القرآن في القطاع لم تتوقف رغم تدمير المئات من المساجد كليًا وجزئيًا، قائلاً: "القرآن يتلى حيثما وجدت القلوب المؤمنة، ولم نسمح الرسالة القرآن بأن تتوقف".
وأوضح أبو شعبان لصحيفة "فلسطين" أن الجهات الرسمية ودار القرآن الكريم والسنة سارعت لتوفير مصليات بديلة وخيام في الساحات المجاورة للمساجد المهدمة، ضمن ما أطلق عليه مرحلة "التعافي والاستنهاض القرآني"، مع اعتماد معايير أمنية وتربوية صارمة تضمن استمرارية حلقات التحفيظ وسط الوضع الميداني المتقلب.
تحديات ميدانية وابتكار
وعن الصعوبات، قال أبو شعبان: "نواجه نقصًا حادًا في المصاحف والإضاءة والبيئة الهادئة، لكننا نتعامل مع ذلك بالمرونة والابتكار، فنستعير المصاحف من البيوت أو نشاركها، وننظم الحلقات نهارًا للاستفادة من الضوء الطبيعي، مع تقسيمها على فترات عدة لتتناسب مع أعداد الطلبة".
وأضاف أن النقص في الكادر التعليمي عُوّض بإعادة توزيع المحفظين والاستعانة بالمتطوعين وتأهيل مساعدين جدد، مؤكدًا أن الرسالة أكبر من أي ظروف صعبة.
القرآن مساحة أمان نفسي
وأشار إلى أن الحلقات القرآنية تحولت إلى ملاذ نفسي للأطفال النازحين، تمنحهم روتينًا يوميًا يعيد إليهم شعور الاستقرار، مع برنامج تربوي يرسخ قيم الصبر والتضحية ويخفف أثر النزوح على سلوكياتهم.
ومع الهدوء النسبي الذي فرضه وقف إطلاق النار، وصف أبو شعبان المشهد بـ"تسونامي بشري" نحو مراكز التحفيظ: "توافد الآلاف من الأطفال والشباب وكبار السن إلى المصليات المؤقتة فوق الركام وفي مراكز الإيواء، كأن هناك عطشًا روحانيًا لتعويض ما فاتهم خلال أشهر التصعيد القاسية".
وأضاف: "الإقبال لم يكن مجرد رغبة في الحفظ، بل إعلان نصر شعبي، فقد أصبحت المصليات البسيطة تضيق بالمرتادين، واضطررنا لفتح نوبات تعليمية إضافية من صلاة الفجر وحتى غياب الشمس لتغطية الأعداد الكبيرة".
ويوضح أبو شعبان: "حين نرى طفلاً حافي القدمين ومنهكًا من طوابير المياه، لكنه يحمل مصحفه بإصرار، ندرك أن معركة الوعي حُسمت لصالحنا. هذه المصليات أصبحت مراكز إشعاع مجتمعي، تجمع الناس على التكافل والتراحم، وتعزز تماسك الجبهة الداخلية أمام آثار الدمار".
خريطة الطريق للمستقبل
وعن خطط دار القرآن الكريم والسنة، أشار أبو شعبان إلى أنها تبدأ بمرحلة الاستنهاض والتعافي لتثبيت الطلاب، ثم مرحلة الانطلاق خلال الموسم الرمضاني عبر مشروع "صفوة البراعم" لسرد القرآن غيبًا، وصولًا إلى مرحلة الاستقرار التي تركز على علوم التجويد والتفسير لضمان جيل واعٍ ومثقف قرآنيًا.
واستطرد: "نحن لا نرمم الحجر فقط، بل نعيد بناء الروح المعنوية للجيل. كل طالب جديد هو لبنة في جدار الصمود، وكل آية تُتلى في خيمة هي رسالة للعالم بأن غزة عصية على الانكسار الثقافي والديني".
واختتم برسالة للعالم: "إن مآذن غزة وإن هدمت، فإن صوت القرآن فيها ما زال يصدح، وبناء الإنسان بالقرآن هو أقوى أشكال الصمود والبقاء".