فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

{ هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } (محمد: 38)

الإنفاق في زمن الإبادة

في محرقة غزة، حيث الجوع ينهش الأجساد والموت يخيّم على البيوت، يصبح الإنفاق نورًا يتحدى الظلام، ويغدو الجود سلاحًا أقوى من المجاعة. هناك، لا غني ولا فقير، فالكل تحت مقصلة العدوان، ومع ذلك تتقد القلوب بالعطاء، وتفيض الأيادي بالكرم، لا طلبًا لجزاء دنيوي، بل طمعًا في وعد الله: { وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } (سبأ: 39).

في غزة، الإنفاق ليس مجرد صدقة، بل هو فعل مقاومة، عبادة تتحدى الموت، وصوت يقول إن الكرامة لا تُشترى، وإن الحرية لا تُباع. هناك، تُطفئ صدقة السر غضب الرب، وتُبنى حصون الصبر من فتات الخبز، ويكتب المجاهدون ملاحم البطولة بأيديهم وأموالهم: "من جهّز غازيًا فقد غزا".

كما أنفق الصحابة في ساعة العسرة يوم تبوك، وكما صبر أهل المدينة في حصار الخندق، فإن غزة اليوم تعيد كتابة التاريخ، لتقول إن الأمة لا تنهض إلا بالعطاء وقت الشدة، وإن المال في زمن المحنة ليس ملكًا لصاحبه، بل أمانة لله وللجائعين.

غزة ليست مدينة منكوبة فحسب، بل مدرسة تُعيد تعريف الكرم الحقيقي. النفوس لا تُقاس بما تملك، بل بما تُعطي. من يملك القليل يبذله، ومن يملك الكثير يضاعفه، لأن { وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى } (القصص: 60). في زمن الذلّ والدمار، غزة تُعلّم الأمة أن الإنفاق هو طريق العزة، وأن التضحية هي لغة الحرية.

{ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } (محمد: 38). البخل ليس حرمانًا لغزة، بل حرمانًا للنفس من فضل الله، لأن الله غني وأنتم الفقراء. ومن يتولّ، فإن الله يستبدل قومًا غيركم، قومًا يحبونه ويحبونه، ثم لا يكونوا أمثالكم.

غزة اليوم تختبر ضمير العالم كله. الإنفاق ليس واجبًا على المسلمين وحدهم، بل قيمة إنسانية عامة. من يغلق بابه أمام طفل يحترق جوعًا، يخسر إنسانيته قبل أن يخسر ماله. ومن يفتح قلبه ويده، يكتب اسمه في سجل الإنسانية الخالدة.

من الشتات، من الخارج، من أحرار الأمة، جاءت قوافل العطاء، أسست التكيات، وأطلقت المبادرات، وأيقظت القلوب النابضة بالرحمة. هؤلاء لم يكونوا مثل الذين تولّوا، بل حملوا راية الإنفاق كجهاد عالمي، يربط الأمة ببعضها، ويجعل من غزة مركزًا للكرامة الإنسانية.

هذه غزة، أسطورة الجود في زمن المجاعة، وملحمة الصبر في وجه الفناء. من بين الركام تصعد أرواح الإنفاق والإيمان واليقين، تهتف في الأمة: أن أنفِقوا تُفلحوا، أن ابذلوا تُنصروا. غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا محاصرة، بل هي مرآة تكشف حقيقة الأمة: من يبخل يخسر نفسه، ومن ينفق يكتب اسمه في سجل الخلود.

غزة تقول للأمة: لا تنسوا من يُطهى أطفاله جوعًا، لا تنسوا من لم يبقَ له سوى الدعاء والدموع. في زمن التسويف وطول الأمل، يبقى الحديث النبوي خالدًا: "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها". فاغرسوا أملًا، وابذلوا مالًا، لأن ما عند الله خير وأبقى.

غزة ليست مجرد محنة، بل امتحان للأمة كلها. من أنفق فقد نصر، ومن بخل فقد خان نفسه. والملحمة مستمرة، لأن الله وعد: { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } (الحج: 40).

المصدر / فلسطين أون لاين