فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾– الصافات 142

في قلب المحرقة، حيث الاعتكاف القسري في ظلمات الحصار، ينقطع شريان الحياة وتتعالى زلازل الألم والنيران التي تلتهم الآفاق. أزيز الطائرات ودوي المدافع وزحف الدبابات والزنانات ينسج سمفونية الموت، فيما ركام البيوت ورائحة البارود يملأان المكان. ومع ذلك، تبقى غزة صامدة كجبل لا ينحني، تتنفس بين أنفاس قليلة وذكريات الشهداء والجرحى، وتستمد من آيات الصبر والسكينة نورًا لا يُهزم.

آوينا إلى الكهف مع الصاروخ الأول، حيث الليل الممتد بلا أفق، وحيث الزمان تجمد عند السادس من أكتوبر، في عزلة كاملة عن العالم، بلا كهرباء ولا اتصالات ولا محروقات، وسط شح الطعام والماء. كان علينا أن نحيا في ترقب دائم، نصلي وندعو، نستنطق القرآن نورًا في عتمة السواد، ونرتب أوقاتنا في فراغ مرير أتاح لنا إعادة النظر في ذواتنا وأعمالنا، لنكتشف أن الفراغ نفسه نعمة مغبون عليها كثير من الناس.

ومع الأيام والليالي الحبلى بالبأساء والضراء، ومع انقطاع كل سبل الحياة، بقيت أنفاسي محاطة بمحبة العائلة، وقلمي صار سلاحًا يكتب رسائل القرآن وملحمة تحرير فلسطين، في مشهد لا يفصل بين الألم والصبر، بين الحزن واليقين، بين الليل الذي لا ينقضي وبزوغ فجر لا محالة سيأتي. ازدحمت المهام رغم الفراغ الظاهر، فالواجبات أكبر من الأوقات، حتى في ظل المحرقة والإقامة الجبرية، لكن الأولوية بقيت لتلاوة القرآن، وقراءة التفسير، وكتابة يوميات المحرقة وتقدير الموقف السياسي.

وفي قلب الكارثة، حيث المجازر والمشاهد التي تصدم الإنسانية، كان المحظوظ من يرحل شهيدًا ويجد من يكرمه بالدفن، أما الجريح فمعاناته أعظم مع تدمير المشافي، وأما الأسير فمعاناة تنوء بوصفها الكلمات. ومع ذلك، كان لطف الله الخفي يرافقنا، والسكينة تملأ قلوبنا بأنه اصطفاء، فنردد مع يونس عليه السلام: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ – الأنبياء 87، ونوقن أن النصر وعد إلهي قادم، وأن غزة ليست مجرد مكان، بل ملحمة صمود وإرادة تُشعل أفق الحرية في وجه الظلم والعدوان، وأن الله لا يترك عباده، بل يفتح لهم ممرًا إجباريًا نحو تحرير قريب يولد من رحم النار.

المصدر / فلسطين أون لاين