تحتلّ عائشة عودة مكانة خاصة في الذاكرة الفلسطينية والعربية، بوصفها واحدة من النساء اللواتي لم يكتفين بخوض تجربة النضال والأسر، بل حوّلن تلك التجربة القاسية إلى نص مكتوب وشهادة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان. فهي ليست مجرد أسيرة محرَّرة، بل صوت نسوي واعٍ أسهم في ترسيخ أدب الأسر الفلسطيني من منظور المرأة، ومنح التجربة بعدًا إنسانيًا عميقًا.
وُلدت عائشة عودة في قرية دير جرير قرب رام الله، ونشأت في بيئة وطنية مشبعة بروح المقاومة، في مرحلة كانت القضية الفلسطينية تمر بتحولات مصيرية. انخرطت مبكرًا في العمل الوطني، واعتُقلت عام 1969، لتدخل تجربة الأسر وهي في ريعان الشباب. صدر بحقها حكم بالسجن المؤبد، لتصبح واحدة من أبرز رموز صمود المرأة الفلسطينية في مواجهة القمع.
داخل السجن، واجهت عائشة عودة التحقيق القاسي والعزلة والحرمان، لكنها واجهت أيضًا أسئلة كبرى تتعلق بالحرية والكرامة ومعنى الوجود تحت القيد. لم يكن الأسر نهاية للفعل، بل بداية لتحوّل عميق في الوعي. وبعد تحررها عام 1979 ضمن صفقة تبادل أسرى، اختارت أن تنقل التجربة من الذاكرة الفردية إلى الفضاء العام عبر الكتابة.
يُعد كتابها أحلام بالحرية من أبرز الأعمال في أدب السجون الفلسطيني، لما يحمله من صدق إنساني وعمق سردي. لا تعتمد الكاتبة في نصها على الخطاب الشعاراتي، بل تقدّم سردًا هادئًا ومكثفًا، يركّز على تفاصيل الحياة اليومية للأسيرات، وعلى العلاقات الإنسانية التي نشأت داخل الزنازين، وعلى محاولات الحفاظ على التوازن النفسي وسط القهر. في هذا السياق، يتحوّل السجن من مكان للعقاب إلى تجربة وجودية تعيد تعريف الزمن والمعنى.
تكمن أهمية عائشة عودة في أنها كسرت احتكار السرد الذكوري لتجربة الأسر، وقدّمت نموذجًا مختلفًا للبطولة، قائمًا على الصبر والوعي وتحويل الألم إلى ذاكرة مكتوبة. لقد أعادت الاعتبار لتجربة المرأة الأسيرة، وأثبتت أن النضال لا يقتصر على الفعل السياسي المباشر، بل يشمل التوثيق، والكتابة، وحفظ الذاكرة من النسيان.
في التجربة الفلسطينية، شكّل أدب الأسر أحد أهم أشكال المقاومة الثقافية، حيث تحوّلت الكتابة إلى وسيلة لمواجهة محاولات الطمس والتغييب. وأسهمت عائشة عودة، إلى جانب عدد محدود من الكاتبات الأسيرات، في ترسيخ هذا الأدب بوصفه سجلًا إنسانيًا وتاريخيًا يوثّق تجربة جماعية عاشت تحت القيد، لكنها رفضت الهزيمة المعنوية.
لم تتوقف تجربة عائشة عودة عند حدود الكتابة، بل واصلت حضورها الثقافي والاجتماعي، من خلال المشاركة في الندوات والحوارات التي تناولت قضايا الأسرى وحقوق المرأة الفلسطينية. لقد مثّلت نموذج المرأة التي خرجت من السجن حرة الجسد، لكنها حملت الأسر بوصفه مسؤولية أخلاقية وشهادة تاريخية.
وإذ أكتب عن عائشة عودة، لا أكتب عنها بصفتي باحثة فحسب، بل كامرأة عراقية تعرف جيدًا معنى الفقد، وثقل الذاكرة، وقسوة التجارب التي مرّت بها النساء في منطقتنا العربية. من العراق، حيث حملت النساء أعباء الحروب والانتظار والصبر، أوجّه تحية فخر واعتزاز لامرأة فلسطينية حوّلت السجن إلى وعي، والألم إلى نص، والصمت إلى صوت. إن تجربة عائشة عودة تلتقي مع تجارب نساء كثيرات في عالمنا العربي، جمعتهن المعاناة ووحّدتهن الكلمة، وأثبتن أن المرأة ليست هامشًا في التاريخ، بل أحد صانعيه.
إن الكتابة عن عائشة عودة ليست استعادة لسيرة شخصية فقط، بل فعل وفاء لذاكرة نسوية مقاومة، ورسالة تؤكد أن أدب الأسر ليس حكاية عن القيد، بل عن القدرة الدائمة على الحلم بالحرية.

