ما كشفت عنه القناة 13 الإسرائيلية حول عمليات الإعداد والتخطيط لتنفيذ قانون الإعدام بحق الأسرى يشكّل تمهيدًا واضحًا لمرحلة خطيرة تتمثل في الإقرار القريب لقانون إعدام الأسرى، وذلك في ظل استمرار حالة التواطؤ والعجز الممنهج والتخلي عن مصير آلاف الأسرى، قانون إعدام الأسرى يمثّل اليوم ذروة إبادة مستمرة بحق الأسرى، من خلال تحويل كل ركن من بنية السجون إلى حيّز لممارسة التعذيب والتجويع وقتل المزيد من الأسرى عبر سياسات الإعدام البطيء.
إقرار المجلس الاسرائيلي المصغر "كابينيت" لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يمثل جريمة سياسية ضد الإنسانية، تزامن هذا الإقرار في وقت أغلق المستوى السياسي والأمني ملف أسرى الحرب داخل مصلحة السجون، بهدف عرقلة عمليات التبادل وتصفية حسابات الأسرى ذوي المؤبدات والأحكام العالية ومن صُنفوا بالمقاتلين غير الشرعيين ويعد هذا الإقرار مناقض للقانون الدولي الإنساني ومخالف لاتفاقيات جنيف الأربعة التي كفلت حماية الأسرى والدفاع عن حقوقهم المشروعة، حيث جاء هذا القرار الجديد لفرض وقائع جديدة وتحقيق مكاسب سياسية وإنجازات واقعية دون دفع أي ثمن سياسي بهدف استقرار الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، فيما يواصل الاعتداءات الجوية والمدفعية والتهديد لمناطق معينة لتعزيز نفوذه في مناطق الحاجز الأصفر داخل غزة مستغلاً حالة الضعف والتحييد التي وصلت إليها فصائل المقاومة خلال الحرب الغير متكافئة.
إن صمت المنظمات الدولية والمجتمع الإقليمي تجاه إقرار قانون إعدام الأسرى يُعد إخفاق سياسي وتواطؤ حقوقي في مرحلة خطيرة وأكثر دمـوية بحق الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، حيث التزمت غزة عبر التفاوض مع الوسطاء الأمر الذي جعل الاحتلال يتراجع عن اتفاق وقف إطلاق النار ويعرقل الجهود الدولية والإقليمية ويزيد من معاناة شعب غزة وذوي الأسرى والمفقودين، فيما سعي الاحتلال من خلال المرحلة الأولى لاتفاق شرم الشيخ في أكتوبر الماضي الذي نص على وقف إطلاق النار أثر الحرب الفلسطينية الإسرائيلية، لإستعادة أسراه الأحياء وتسلمه جثامين قتلاه بغزة، فيما ينتظر آلاف الأسرى الفلسطينيين لحظات الإفراج وتنسم الحرية ليقابلهم بالقرار المجحف تطبيق قانون إعدام الأسرى، فيما بدأت المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ في ظل تعنت اسرائيلي واضح من تنفيذ استحقاقات ذلك الاتفاق وحاول المراوغة والتملص من التزامه في تسهيل إدخال آليات الإعمار ودخول أعضاء اللجنة التكنوقراطية، والهروب من الانسحاب التدريجي وإعادة فتح معبر رفح الذي أصبح حاجز عسكرياً إسرائيلياً وليس معبراً إنسانياً أمام عودة العائدين وحركة المسافرين وخروج الجرحى لتلقي العلاج بالخارج والاكتفاء بمطالبة غزة بنزع السلاح، الاحتلال يتعامل مع غزة كونها جزء محتل معزول عن العالم الخارجي أو كأنها تحت الوصاية الصهيوأمريكية، ووصفها بأنها عاصية عن الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، حيث يسعى الاحتلال لتجريد غزة من حقوقها الكاملة؛ في حين أن المعابر ما زالت مغلقة واللجنة الوطنية ممنوعة من دخول غزة وعدم إدخال المساعدات الإنسانية الكافية، ويشترط أن تبقى غزة منطقة منزوعة السلاح.
أصوات الأحرار والمتضامنين في مختلف أنحاء العالم تُشكّل جبهةً أخلاقية وإنسانية متقدمة في معركة الدفاع عن قضيتنا ومنها قضية الأسرى، كما وتسهم في تفكيك الرواية الاستعمارية للاحتلال، وإعادة توصيف ما يجري باعتباره جريمةً ضد الإنسانية وجريمة إبادة لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تمسّ جوهر العدالة والقيم الإنسانية العالمية، والتعبئة والتحشيد الشعبي والدولي ليست خيارًا، بل ضرورة أخلاقية وقانونية، للضغط من أجل وقف الجرائم المنظّمة بحق الأسرى والأسيرات، وإنقاذهم من أحد أخطر ميادين جريمة الإبادة الجماعية المستمرة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، وضمان المساءلة أمام العدالة الدولية.
فالمطلوب من أحرار العالم التضامن الإنساني و الضغط الدولي لوقف الجرائم التي تُمارَس بحق الأسرى الفلسطينيين، من خلال فرض مقاطعة حكومة الاحتلال بكافة أشكالها السياسية والاقتصادية والثقافية والأكاديمية؛ المتهم فيها بارتكاب الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، لم يعد فعل التضامنٍ رمزي فحسب، بل بات عنصرًا فاعلًا في مواجهة منظومة استعمارية إحتلالية تُمعن في استهداف الوجود الفلسطيني بأدوات العربدة في مرحلة تُعدّ الأخطر في تاريخ قضيتنا الفلسطينية.

