فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

" ولتنظر نفس ما قدمت لغد " (الحشر: 18).

بين التعافي والتقييم

الطوفان والمحرقة ليست حدثًا عابرًا، بل صفحة من سفر الأمة تُكتب بالدم والصمود وتُقرأ بالعقل واليقين. هي ملحمة بشرية عظيمة، لكنها غير معصومة من الخطأ، والواجب أن تُقرأ نقديًا لا تقديسيًا، حفاظًا على أمانة الشهداء وحقوق الأمة في استخلاص الدروس. فالمعيار الحق ليس حجم التضحية وحده، بل النتائج وما تُلهمه من عبر، لتبقى المقاومة مشروعًا حيًا متجددًا، يليق بملحمة غزة التي أثبتت أن رجالها رجال لا كالرجال، وأن أرضها أرض لا كالبلاد، وأن الحق لا يُحفظ إلا بالوعي والوفاء للأمانة أمام الله والتاريخ.

"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" (رواه الطبراني وصححه الألباني).

"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" (رواه البخاري ومسلم).

التعافي أولوية قصوى لا تقبل التأجيل، ولا يتناقض مع التقييم بل يتكامل معه في مسارين متوازيين؛ فالتقييم المؤسسي المهني يتيح تصويب المسار في قلب المحنة المستمرة، بينما يوفّر التعافي أرضية عملية تجعل التقييم ممكنًا وذا أثر. وانطلاقًا من هذا الفهم، أُنجز كتاب «تعافي المشروع الفلسطيني بعد ملاحم غزة» ليكون مساهمةً مجانيةً ابتغاء وجه الله، يعالج ملفات التعافي قراءةً وتشخيصًا ومساراتٍ عملية، خدمةً للمشروع التحرري لفلسطين وغزة المرابطة للتعافي.

"يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين" (البقرة: 153).

"ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين" (البقرة: 155).

وفنيًا وموضوعيًا وقانونيًا، لا يصح أن يتولى التقييمَ صاحبُ القرار أو جهةُ التنفيذ، إذ يقتضي التقييم الرصين فصلًا واضحًا بين من يقرّر وينفّذ ومن يقيّم ويحاسب بميزان مستقل. كما أن التقييم لا يخص غزة وحدها، بل يشمل كافة أماكن التواجد الفلسطيني ومختلف الفصائل والمكونات، بعدالة وتوازن، باعتبار المساءلة مبدأً عامًا لا نهضة ولا تعافٍ بدونه. ونتائج التقييم ليست أوراقًا للأرشيف، بل أساس قرار ومساءلة وعقوبة عند اللزوم؛ وقد جسّد النبي ﷺ هذا المبدأ عمليًا بعد غزوة تبوك، حين حاسب المتخلّفين ولم يقبل الأعذار غير الصادقة، تأكيدًا أن المحاسبة ركنٌ أصيل في البناء والإصلاح.

"إن الله كتب الإحسان على كل شيء" (رواه مسلم).

"إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده" (آل عمران: 160).

وهكذا، فإن ملحمة غزة ليست فقط شهادة على الصمود، بل دعوة إلى وعي نقدي وتعافٍ مؤسسي، يضمن أن التضحيات تتحول إلى بناء، وأن الدماء الزكية تُثمر مشروعًا تحرريًا متجددًا، يليق بأمةٍ وعدها الله بالنصر إن هي صدقت وثبتت.

المصدر / فلسطين أون لاين