منذ ستة أشهر، يعيش الطفل جودت أبو العين (14 عامًا) بين الألم والانتظار، بعد إصابته بحروقٍ وجروحٍ خطيرة من جرّاء استهدافه بطائرة إسرائيلية مسيّرة في أثناء نزوحه مع عائلته من حيّ الدرج شرق مدينة غزة.
وبالرغم من خضوعه لعشرات العمليات الجراحية، يؤكد الأطباء أن نجاته الكاملة مرهونة بسفرٍ عاجل لتلقي العلاج خارج القطاع، وهو ما تعيقه المعابر المغلقة حتى اليوم.
يرقد جودت داخل خيمة طبية أُقيمت في مستشفى ميداني بساحة الكتيبة غرب غزة، محاطًا بالأجهزة والضمادات، بعدما تحوّلت حياته في لحظات من طفلٍ يلهو في الحي إلى مريضٍ يصارع الألم يوميًا ويخضع لتدخلات جراحية متكررة.
وتعود تفاصيل إصابته إلى ليلة قررت فيها عائلته النزوح مع اقتراب الدبابات وتصاعد القصف.
تقول والدته لـ "فلسطين أون لاين": "خرجنا بسرعة وما أخذنا إلا الضروري… القذائف كانت حوالينا بكل مكان".
وخلال المغادرة، لمح جودت طفلةً عالقة في منزل الجيران، فعاد لإنقاذها رغم محاولات منعه.
تضيف الأم: "قال لي: يمّه البنت لحالها… لازم أجيبها. ركض قبل ما أقدر أوقفه".
وبينما كان يحاول إخراج الطفلة، لاحقتهما طائرة "كواد كابتر" وانفجرت بالقرب منهما.
"سمعنا صوتها فوقنا، وبعد ثوانٍ صار انفجار كبير… لقيناه مصاب إصابات خطيرة جدًا"، تتابع الأم.
أُصيب جودت بحروقٍ عميقة وشظايا وتمزقات واسعة في الجلد والأنسجة، ونُقل بشكلٍ عاجل بين نقاط طبية عدة قبل استقراره في المستشفى الميداني، حيث دخل في غيبوبة استمرت أسبوعين.
تقول والدته: "كنا نخاف نفقده بأي لحظة… الأطباء أكدوا أن وضعه حرج جدًا".
ومنذ استيقاظه، لم يغادر سرير العلاج.
وخلال الأشهر الماضية خضع لعشرات العمليات، شملت تنظيف الجروح وترقيع الجلد وجراحات ترميمية متتالية.
"كل أسبوع تقريبًا عملية جديدة… والألم ما بيفارقه"، تقول الأم.
اقرأ أيضًا: بالأرقام.. المكتب الحكومي يوثِّق حركة المسافرين عبر معبر رفح البري
الطواقم الطبية التي عاينت حالته، قالت إن استكمال العلاج داخل غزة لم يعد ممكنًا بسبب نقص الإمكانات والأدوية، ما يستدعي سفره العاجل لإجراء عمليات دقيقة وعلاجٍ تأهيلي طويل.
ورغم حصول العائلة على تحويلة علاج خارج القطاع، ما يزال المعبر المغلق يحول دون مغادرته.
"التحويلة جاهزة… بس ما في سفر. كل يوم بنستنى"، تضيف والدته.
يعاني جودت اليوم صعوبةً في الحركة وآلامًا مستمرة، ويحتاج جلسات علاج طبيعي وجراحات إضافية لتجنّب إعاقات دائمة.
ومن سرير المستشفى، توجّه والدته نداءً إنسانيًا لفتح المعبر والسماح بعلاجه: "ابني طفل… من حقه يتعالج ويعيش مثل باقي الأطفال".
ولا تختلف حكاية جودت كثيرًا عن واقع مئات الجرحى في قطاع غزة، الذين ينتظرون فرص السفر للعلاج في ظل تدمير المنظومة الصحية ونقص الخدمات الطبية المتخصصة، ما يجعل العلاج خارج القطاع الخيار الوحيد للنجاة.
وبين جدران الخيمة الطبية، يواصل جودت انتظار لحظة العبور… لحظةٍ قد تعيد إليه طفولته، أو تنقذ ما تبقى من حياته.

