﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).
في زمنٍ ضاقت فيه الأرض بما رحبت، وسقطت الأقنعة عن وجوهٍ كثيرة، نهضت غزة لا كمدينةٍ محاصرة، بل كمعنى كامل. نهضت كجبلٍ لا يهتز، وكحديدٍ لا يلين، وكضياءٍ لا يخبو. رجالها ليسوا مجرّد أبطال، بل شهود حق، ورواة ملحمة تُكتب بالدم والدمع واليقين؛ كلُّ شهيدٍ منهم بيتٌ في قصيدة المجد، وكلُّ أمٍّ ثكلى آيةٌ من الصبر، وكلُّ طفلٍ يبتسم رغم الجراح وعدٌ صامت بأن الفجر أقرب مما نظن.
غزة ابتُليت بطريق ذات الشوكة، فمضت فيه غير ملتفتة، وودّعت آلافًا من رجالها وقادتها شهداء على طريق القدس. أجسادهم قُطِّعت، وبعضها فُقد، لكن أرواحهم ارتقت لتشهد أن الحق لا يموت. هؤلاء هم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهتفوا من عمق الجراح: يا رب خذ من دمنا وأهلنا وبيوتنا حتى ترضى. فكانوا خير جيلٍ بعد جيل، رهبان ليلٍ إذا هدأ الضجيج، وفرسان نهارٍ إذا اشتد الوغى، الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خذلها ولا ما أصابها من لأواء.
شهيدهم يُحسب باثنين، ومجاهدهم يقاتل بلا أعوان، ومع ذلك فهم أولو بأسٍ شديد. عبادٌ لله تجردوا له وحده، فصاروا أقوى من العدد والعدة. نبكيهم بدموعٍ حارّة، ونحزن لفقدهم، لكن حزننا لا يُنقص من مقامهم؛ فهم خير الناس وأوفاهم وأشجعهم، شهداء الحق في زمنٍ تخلى فيه كثيرون عن الحق، وعن القدس، وعن الأقصى.
خرجوا من أنفاقهم بلحمهم الحي، وبأظافرهم، وبليلٍ طويل من الصبر والتجهيز. صنعوا سلاحهم تحت الحصار، وارتقوا شهداء في ميدان الإعداد قبل ميدان المواجهة، ليكتبوا بدمهم أن غزة العزة ليست هامشًا في التاريخ، بل أيقونة العالم، وجسر التحرير، وامتحان الضمائر.
وفي محرقة غزة، ينكشف المعنى الأعمق للابتلاء: ليس قسوةً عبثية، بل رحمة توقظ القلوب وتعيدها إلى طريق الطاعة. الابتلاء هنا غربال، وغزة هي الغربال الأكبر؛ تميّز به الصادق من المدّعي، والثابت من المتراجع. رسالتها العميقة أن الصبر واليقين هما السلاح الحقيقي، وأن النصر وعدٌ لا يُخلف، مهما طال الطريق.
غزة تصرخ – لا لتُستجدى – بل لتُذكِّر: أن العلو الزائف إلى زوال، وأن ملحمة الصمود لا تُهزم، لأن القلوب المؤمنة لا تنكسر، مهما اشتد الظلم، ومهما علا الضجيج.
فاصبروا واثبتوا؛ فإن فجر الحرية يطرق الأبواب.
﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
ومن بقي منكم كتب الله له أن يكون سيد الأرض، ومن رحل فهو سيد الشهداء.
﴿كَم مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
(آل عمران: 146).

