كان حصول الطبيب الغزي أُبي بركة (29 عاما) على منحة لدراسة اختصاص طبي نادر لخدمة المرضى في غزة حلما سعى إليه في وجود تحديات قاهرة سببتها حرب الإبادة الجماعية، لكن هذا الحلم بات يتبدد أمام عينيه مع استمرار القيود الاحتلالية على السفر من القطاع وإليه.
وبالرغم من قصف الاحتلال منزله واستشهاد والده، تمكن بركة من خيمة نزوحه، من اجتياز الامتحانات المطلوبة للحصول على المنحة الدراسية في قطر، ليكون ضمن أفضل 1% ممن تقدموا لها في العالم.
يقول بركة لـ "فلسطين أون لاين": الاختصاص الذي نجحت بالتقدم لدراسته هو تشريح الأنسجة، ويعد نادرا في غزة، مبينا أن الاحتلال قتل استشاريَّيْن في هذا المجال في خضم حرب الإبادة هما محمد دبور وحسام حمادة، كانا حاصلين على أعلى درجة علمية.
وحصل بركة على فرصة لدراسة هذا الاختصاص بموجب المنحة الأميرية السنوية المخصصة لخمسة أطباء من قطاع غزة وخمسة آخرين من الضفة الغربية، ويعني عدم تمكن المؤهلين الغزيين من السفر، خسارة القطاع خمسة استشاريين في اختصاصات مختلفة، بحسب بركة.
اقرأ أيضًا: وصف بأنه "صادم".. فيلم عن أطباء غزة يفوز بجائزة الصحافة البريطانية
يضيف: الالتحاق بمنحة لدراسة اختصاص تشريح الأنسجة يعد فرصة نادرة يحتاجها قطاع غزة، مبينا أن المنحة تشترط عودة الدارس لخدمة وطنه ضعف مدة التخصص المتمثلة بسبع سنوات.
ويوضح الطبيب أن العديد من الأطباء الغزيين عادوا إلى القطاع بعد دراساتهم اختصاصات أخرى نادرة مثل الجهاز الهضمي والصدرية وجراحة الأعصاب، وخدموا وطنهم.
ويقول بركة، إنه فضّل دراسة اختصاص تشريح الأنسجة المطلوب في القطاع، على أي اختصاص آخر قد يكون أجدى ماليا، متابعا: القضية ليست أن أعيش غنيًّا، بل أن أنجز وأخدم بلدي.
وواجه بركة تحديات جمة في طريقه إلى هذه المنحة، منها انقطاع الكهرباء والإنترنت في غزة، واضطراره إلى إرسال ملفات الترشيح إلى صديقه في ألمانيا ليقدمها في الموقع القطري الإلكتروني الذي يتطلب إنترنت فائق السرعة.
وبسبب ظروف الحرب أيضًا، تأجل إجراء المقابلات للمنحة سنة كاملة، وعندما تحدد موعدها كان والده قد استشهد قبل أيام قليلة، وفق حديثه.
وتخرج بركة من كلية الطب في الجامعة الإسلامية عام 2021 وعُيِّن معيدًا فيها، قبل أن يلتحق بالقطاع الحكومي وتندلع حرب الإبادة الجماعية، ليتقدم للمنحة المذكورة.
ونجا بركة بأعجوبة، كما يقول، من حصار الاحتلال لمجمع ناصر الطبي عام 2024.
"كنت أثق بنفسي وأخطط لطموحي وأعرف وجهتي، لكن للأسف، بسبب الحرب كانت هذه آخر فرصة لأتقدم لهذه المنحة التي قد أخسرها حاليا"، يتابع الطبيب.
وكان بركة أُبلغ بأن مقعده في المنحة محفوظ، لكن مع طول أمد الحرب بدأت تتسرب إليه أنباء عن فقده هذا المقعد، وهو ما يخشاه.
عن ذلك يقول: "هذه كارثة. وُعِدْنا بأن تبقى المقاعد محفوظة لأن هذه منحة لأجل قطاع غزة، لدعم القطاع الصحي والاستثمار في العقول الطبية، فلا يعقل أن تضيع ببساطة".
ووفق إفادته، لم يؤد التواصل مع الهلال الأحمر القطري لتمكينه من السفر إلى نتيجة حتى اللحظة.
يقول بركة: إن هذه المعاناة تقف أيضًا حائلا أمام أطباء آخرين، منهم زميله الطبيب عبد الرحيم الأسطل الذي يود دراسة اختصاص أمراض الدم، والطبيب أحمد البحيصي لاختصاص أطفال-صدرية.
ويسيطر الاحتلال الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من معبر رفح بالقوة العسكرية منذ مايو/أيار 2024. وكان من المفترض أن يعيد الاحتلال فتح المعبر في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ سريانه في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لكنه تنصل من ذلك.
ومنذ بدء إعادة فتح معبر رفح الأسبوع الماضي، وصلت القطاع وغادرته أعداد محدودة جدا من المواطنين، وفق معطيات ميدانية.
وتزداد الأزمة تعقيدًا بسبب القيود والعراقيل التي تفرضها سلطات الاحتلال على سفر المرضى لتلقي العلاج خارج القطاع. وتشير تقديرات في غزة إلى أن 22 ألف جريح ومريض يأملون مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج، في ظل الوضع الكارثي للقطاع الصحي جراء حرب الإبادة.
لكن الطبيب بركة، لا يزال يأمل في أن يسافر في أقرب فرصة ممكنة للالتحاق بمقعده الدراسي، لئلا يخسر هذه المنحة، التي يرى فيها أملا للكثير من المرضى في غزة.