حذّر الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي أمجد شهاب من خطورة القرارات الأخيرة التي صدَّق عليها المجلس الوزاري المصغر "الكابينت" في (إسرائيل)، والتي أعلنها وزيرا الجيش والمالية في حكومة الاحتلال، معتبرًا أنها تمثل خطوة متقدمة في مسار طويل يهدف إلى تغيير الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية وصولًا إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها، دون إعلان ضم رسمي.
وكان "الكابينت" قد صدق على سلسلة قرارات قدمها وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، ووزير الجيش يسرائيل كاتس، ستؤدي إلى تغيير جذري في الواقع القانوني والمدني في الضفة المحتلة.
طالع المزيد: الكابينت يصدّق على قرارات "تصعيدية" تعمق ضم الضفة
ووفق بيان الاحتلال، فإن القرارات تهدف إلى إزالة عوائق قائمة منذ عشرات السنين تسهم في تمكين متسارع للاستيطان في الضفة، إلى جانب الغاء القانون الأردني الذي يحظر بيع الأراضي لليهود.
وبحسب البيان، فإن من أبرز القرارات رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة ونشرها للعامة، بعد أن كانت محجوبة وهو ما زعمت (تل أبيب) أنه "سيعزز الشفافية، ويُسهّل عمليات شراء الأراضي".
وأوضح شهاب، في حديث خاص لصحيفة "فلسطين"، أن الرؤية الإسرائيلية لاحتلال الضفة الغربية مرت بمراحل واضحة ومتدرجة، بدأت بالاحتلال العسكري المباشر، ثم انتقلت إلى مرحلة الاستيطان المكثف عبر بناء البنية التحتية في التجمعات الاستيطانية الكبرى، وصولًا إلى مرحلة الضم الفعلي، الذي ينقسم إلى نوعين: ضم رسمي مُعلن، وضم واقعي يتم فرضه على الأرض دون إعلان قانوني.

الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي أمجد شهاب
وبيّن أن الضم الرسمي يشكل عبئًا سياسيًا على (إسرائيل)، لما قد يترتب عليه من مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي وبعض الدول العربية، إضافة إلى كلفته القانونية والدبلوماسية، لذلك فضّلت حكومات الاحتلال المتعاقبة اتباع سياسة "الضم الواقعي"، التي تُفرغ القانون الدولي من مضمونه، وتفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الأرض دون إثارة ردود فعل دولية حاسمة.
وأشار شهاب إلى أن (إسرائيل) تسيطر حالياً بشكل مباشر على نحو 70% من مساحة الضفة الغربية، في حين تُركت النسبة المتبقية على شكل مدن فلسطينية محاصرة، أشبه بـ"جزر سكانية" محاطة بالحواجز العسكرية والبوابات، ومنقطعة جغرافيًا عن بعضها البعض، ما يلغي أي تواصل جغرافي حقيقي ويقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة.

وبحسب شهاب، فإن المرحلة الثالثة والأخطر في هذا المسار هي ما تُسمى بـ"فرض السيادة"، وهي المرحلة التي بدأت تتجسد فعليًا من خلال تحويل إدارة المناطق من الجيش إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، وربطها مباشرة بالوزارات الإسرائيلية ومنظومة القوانين، خصوصًا في ما يتعلق بالأراضي والتخطيط والبناء. وفي هذا السياق، يُمنح المستوطنون حقوق التملك الكاملة، ويتم تحويل المستوطنات الكبرى إلى مدن رسمية، كما حدث في مستوطنة "أريئيل" التي تضم جامعة وتحولت إلى مدينة معترف بها إسرائيليًا.
وأكد أن هذا التحول يهدف إلى خلق واقع لا يمكن التراجع عنه مستقبلًا، بحيث يصبح الحديث عن تفكيك المستوطنات أو التوصل إلى حل سياسي أمرًا شبه مستحيل، لأن المستوطنين سيُقدَّمون للعالم باعتبارهم "مواطنين" يعيشون في مدن قائمة، وليسوا مستوطنين في أراضٍ محتلة.
وأوضح شهاب أن هذه السياسات تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، الذي يحظر على قوة الاحتلال إجراء أي تغيير ديموغرافي أو قانوني في الأراضي المحتلة.
طالع المزيد: حماس: قرارات "الكابينت" تهدف إلى توسيع الإبادة وتصفية الوجود الفلسطيني
ومع ذلك، فإن الواقع في الضفة يشير إلى وجود نحو 900 ألف مستوطن في الضفة الغربية والقدس الشرقية، في عملية تغيير ديمغرافي ممنهجة تهدف إلى حسم الصراع من طرف واحد.
وأضاف أن تعاظم الدور المدني للمستوطنين، وربطهم بالمنظومة القانونية والسياسية الإسرائيلية، يؤدي عمليًا إلى ضم غير معلن للضفة الغربية واعتبارها جزءًا لا يتجزأ من (إسرائيل)، مع إقصاء أي حديث عن كونها أراضي محتلة قابلة للتفاوض.
وفي خلفية هذه التطورات، يرى شهاب أن حكومة الاحتلال الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو رفعت شعار "حسم الملف الفلسطيني"، معتبرًا أن ما يجري في الضفة الغربية هو التطبيق العملي لهذا الشعار، في ظل غياب أي رد فعل فلسطيني فعّال، سواء على مستوى الصدام أو حتى المقاومة السلمية، وغياب استراتيجية واضحة لعرقلة هذه السياسات المتسارعة.
وختم شهاب بالتحذير من أن استمرار هذا المسار خلال السنوات العشر أو العشرين المقبلة سيؤدي إلى خنق المدن الفلسطينية ديمغرافيًا ومنع توسعها الطبيعي، ما سيدفع قطاعات واسعة من الفلسطينيين إلى الهجرة، فيما يتحول من يبقى إلى قوة عمل رخيصة تخدم الاقتصاد الإسرائيلي، في مشهد يعكس عملية تصفية تدريجية للقضية الفلسطينية دون اتفاق سياسي معلن.

