فلسطين أون لاين

تقرير من الاغتيال إلى الفوضى… كيف يوظّف الاحتلال عصاباته في غزة؟

...
العميل حسام الأسطل (وسط الصورة) محاطاً بمسلحين من عصابته جنوبي قطاع غزة
غزة/ نور الدين صالح:

مع استمرار الحرب على قطاع غزة، تتكشف سياسات الاحتلال الإسرائيلي القائمة على توظيف عصابات عميلة للقيام بأدوار أمنية وقذرة بعيدًا عن المواجهة المباشرة، في محاولة لتقليل خسائره البشرية وخلق أدوات فوضى داخلية تخدم أهدافه الإستراتيجية.

هذا الأسلوب، الذي ليس جديدًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، عاد إلى الواجهة بقوة بعد الحرب، مع محاولات واضحة لإعادة تشكيل المشهد الأمني والاجتماعي في القطاع.

وتشهد المرحلة الحالية تصعيداً لافتاً في هذا النهج، سواء من حيث طبيعة الأدوار الموكلة لهذه العصابات أو من حيث الأهداف السياسية والأمنية الكامنة خلفها.ومن الواضح أن الاحتلال لا ينظر لهذه العصابات بوصفها أدوات مؤقتة فحسب، بل كوسائل متعددة الوظائف تُستخدم في جمع المعلومات، وبث الخوف، وتنفيذ الاغتيالات، وخلق حالة من عدم الاستقرار.

كما تسعى (إسرائيل)، من خلال هذا الأسلوب، إلى ترويج رواية مضللة أمام المجتمع الدولي، تُحمّل الفلسطينيين مسؤولية الفوضى والانفلات الأمني، بينما تتوارى هي خلف وكلاء محليين يؤدون المهام نيابة عنها.

يرى المختص في الأمن القومي والاستراتيجي إبراهيم حبيب، أن عملية توظيف العصابات العميلة لا تتطلب من الاحتلال الدخول المباشر إلى مدن قطاع غزة إذ يعتمد على ربط ضعاف النفوس بوكر العمالة، معتبراً إياهم خارجين عن الصف الوطني والنسيج الاجتماعي ويعيشون في "المنطقة الرمادية" تحت الاحتلال ما يجعل عملية تجنيدهم سهلة ولا تتطلب جهداً كبيراً.

ويوضح حبيب لصحيفة "فلسطين"، أن آليات التوظيف لم تتغير منذ بداية استخدام الاحتلال للعملاء، مستشهداً بما كشفه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قبل أيام بشأن اغتيال الشهيد مازن فقها بواسطة عميل.

ويشير إلى أن الأدوات هي ذاتها وإن تغيّرت الأسماء وأن العنصر البشري يبقى الأهم بالنسبة للاحتلال في جمع المعلومات وتنفيذ عملياته.

ويؤكد أن العصابات والعملاء لا يشكلون في السياسات الأمنية الإسرائيلية سوى أدوات مؤقتة، يستخدمها الاحتلال لتنفيذ مهامه، ثم يتخلى عنها فور انتهاء دورها.

بدوره، يؤكد المختص في الشأن الإسرائيلي عادل ياسين، أن اعتماد الاحتلال على العصابات يندرج ضمن ما يمكن تسميته بمبدأ "مهام الأخيار يقوم بها الأغيار"، أي تكليف الساقطين أخلاقيًا والمرتزقة بتنفيذ أعمال قذرة نيابة عن المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية.

هذا المفهوم، القائم على علاقة "السيد والعبد"، يعكس – بحسب ياسين – انحطاطًا أخلاقيًا وسياسيًا عميقًا، ويفضح زيف الادعاءات الإسرائيلية حول كونها دولة ديمقراطية أو أن جيشها الأكثر أخلاقية في العالم.

ويوضح ياسين لـ"فلسطين"، أن أي دولة تحترم نفسها وتدّعي الانتماء إلى القيم الديمقراطية والليبرالية، يفترض بها أن تحارب العصابات الإجرامية وتكافح الجريمة المنظمة، لا أن تعتمد على تجار مخدرات ولصوص ومطلوبين للعدالة لتنفيذ مهام أمنية بالغة الخطورة. لجوء الاحتلال إلى هذه الفئات، بدلًا من تحمّل مسؤولياته المباشرة كقوة احتلال، يشكل تناقضًا صارخًا مع خطابه السياسي والإعلامي الموجّه للعالم.

أما عن أساليب توظيف هذه العصابات، فيبين ياسين أن الاحتلال يعمل على تشغيلها عبر تزويدها بإمكانات لوجستية متعددة، تشمل الأسلحة، والمعلومات الأمنية، وأحيانًا توفير أماكن يُعتقد أنها أكثر "أمانًا نسبيًا" وبعيدة عن مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية.

بهذه الطريقة، تتحول العصابات إلى مجرد أدوات رخيصة يتم تحريكها والتحكم بها عن بُعد من ضباط جهاز "الشاباك"، دون أي اعتبار لمصير أفرادها.

ويشير إلى أن هذه المجموعات يتم شحنها بوسائل متعددة، سواء عبر الإغراءات المالية أو الوعود بالحماية أو إسقاط الملاحقات، إلا أن الحقيقة الثابتة – وفق ياسين – هي أن (إسرائيل) تستخدمهم كـ"كبش فداء". فهؤلاء يُضحّى بهم للحفاظ على حياة الجنود الإسرائيليين، وما إن تنتهي مهمتهم حتى يتم التخلي عنهم، كما جرى مع عشرات العملاء سابقًا.

وفيما يتعلق بآليات التجنيد، يلفت ياسين إلى أن الاحتلال يركز على البحث عن نقاط الضعف لدى الأفراد المستهدفين، وهو ما يفسر أن غالبية عناصر هذه العصابات هم أشخاص متورطون في قضايا جنائية أو مطلوبون للعدالة، ما يجعلهم فريسة سهلة للابتزاز والاستغلال

ويرى ياسين أن موقع العصابات في السياسات الأمنية الإسرائيلية ليس طارئًا، بل هو جزء من نهج تاريخي ممتد منذ ما قبل قيام دولة الاحتلال، حين جرى استخدامها في إطار الحرب النفسية ضد الفلسطينيين، بهدف إدخالهم في متاهات داخلية وإبعادهم عن قضاياهم الوطنية.

إلا أن الخطير اليوم، بعد الحرب على غزة، هو سعي الاحتلال لتطوير هذه الفكرة نحو تشكيل مجموعات أكبر، بدعم إسرائيلي علني أو شبه علني، لتكون بمثابة بديل عن أي سلطة قائمة في القطاع.

ويحذر من أن هذه المحاولات لا تستهدف فقط ضرب النسيج الاجتماعي أو خلق فوضى أمنية، بل تتعدى ذلك إلى السعي للحصول على "شرعية محلية" مؤقتة تخدم رؤية حكومة اليمين المتطرف، تمهيدًا لاستخدام هذه الأدوات لاحقًا في تنفيذ مشاريع أخطر، على رأسها مخططات التهجير القسري لسكان قطاع غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين