في الساحل الغربي لمدينة غزة المطلّ على البحر، شكّلت رمال الشاطئ الممتد لعشرات الكيلومترات، طوال السنوات التي سبقت حرب الإبادة، متنفسًا مهمًا للمواطنين، في حين كان رصيف الميناء معلمًا سياحيًا يجذب الآلاف يوميًا لمشاهدة قوارب الصيد وهي تمخر عباب البحر في طريقها لاصطياد الأسماك.
لكن الشاطئ والميناء نفسيهما لم يعودا على حالهما منذ اندلاع الحرب المدمرة على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي امتدت لعامين.
قوارب صيد غارقة في عمق المياه، وزوارق حربية إسرائيلية تجوب البحر وتطلق قذائفها ونيرانها بين الفينة والأخرى، إضافة إلى عمليات مداهمة واعتقال تنفذها بحرية الاحتلال باستمرار وتطال الصيادين.. هكذا يبدو المشهد عند الشاطئ الذي تتناثر فوقه خيام النازحين.
ولم يعد هذا الشاطئ ملاذًا آمنًا كما ظنّ نازحون ضاقت بهم السبل ولم يجدوا مكانًا آخر لإيواء عائلاتهم. ومع استمرار انتهاكات جيش الاحتلال، صار التواجد هناك كابوسًا يلاحق سكان الخيام والصيادين الباحثين عما يسدّ رمق عائلاتهم الفقيرة.
مساء الجمعة الماضية، اقتربت زوارق بحرية الاحتلال من المناطق الشاطئية، وأطلقت أكثر من عشر قذائف صاروخية وفتحت نيران رشاشاتها بشكل مفاجئ، ما أثار الرعب في صفوف النازحين والصيادين معًا، في انتهاك متكرر لاتفاق وقف إطلاق النار المثقل بالخروقات الإسرائيلية.
شرين السويركي، التي تعيش مع زوجها وأطفالها تحت ظل خيمة صغيرة على رصيف ميناء الصيادين، كانت شاهدة على تلك الانتهاكات، وقد نجت وعائلتها بأعجوبة من القصف.
تقول لصحيفة "فلسطين": "بينما كنا نجلس بهدوء تام، جاءت الزوارق الحربية فجأة وأطلقت قذائفها ونيرانها.. لم نفعل شيئًا عندما سمعنا أصوات الانفجارات سوى الدخول إلى الخيمة والجلوس تحتها، فهذا المشهد يتكرر كثيرًا هنا".
وكانت شرين (30 عامًا) قد لجأت وعائلتها إلى رصيف الميناء بعد رحلة نزوح قسري خاضتها في الأسابيع الأولى لاندلاع الحرب التي دمّرت منزلهم في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة.
وتقيم العائلة المكوّنة من ستة أفراد، بينهم أربعة أشقاء ذكور أصيبوا جميعًا في قصف سابق نفذته طائرة حربية مسيّرة إبّان الحرب، تحت سقف خيمة مصنوعة من النايلون لا تقيهم نيران الزوارق الحربية وأسلحتها الفتّاكة.
أطلقت شرين تنهيدة دلّت على ما يعتمل في صدرها من خوف وألم، قبل أن تضيف: "لا يوجد لنا ملاذ آخر. جئنا إلى رصيف الميناء واعتقدنا أنه مكان آمن، لكن لا جدوى؛ أينما نذهب تحاصرنا النيران وتلاحقنا في الشرق والغرب".
وعائلة شرين ليست الوحيدة التي نصبت خيمة على ساحل البحر، إذ تتناثر هناك آلاف الخيام التي تؤوي عددًا كبيرًا من أصحاب المنازل المدمّرة وسط ظروف معيشية صعبة تفتقد لأدنى مقومات الحياة.
ومع تدمير جيش الاحتلال أحياءً ومدنًا سكنية كاملة، وفرض سيطرته بقوة النيران على مساحات واسعة من القطاع الساحلي من عدة جهات –أكبرها في الجزء الشرقي خلف ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»– صار النزوح غربًا بالنسبة لمئات آلاف المواطنين قدرًا لا مفر منه.
ولم يكتفِ الاحتلال بذلك، بل لجأ إلى توسيع منطقة سيطرته عبر إزاحة مكعبات «الخط الأصفر» باتجاه الغرب، حتى بات يسيطر فعليًا على قرابة 54% من المساحة الإجمالية للقطاع البالغة 365 كيلومترًا مربعًا.
ويواصل جيش الاحتلال انتهاكاته رغم مرور أكثر من 115 يومًا على اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025.
ووثّقت جهات رسمية في غزة خروقات الاحتلال للاتفاق، وقد تجاوز عددها 1520 انتهاكًا، أسفرت عن ارتقاء أكثر من 550 شهيدًا، بينهم 288 من الأطفال والنساء والمسنين.
وفي الوقت نفسه، لم يسلم الصيادون من الإبادة الإسرائيلية في خضم الحرب، كما لاحقتهم انتهاكات الاحتلال حتى بعد وقف إطلاق النار.
وبحسب رئيس نقابة العاملين في قطاع الصيد والإنتاج البحري، زكريا بكر، فإن جيش الاحتلال قتل بنيرانه منذ اندلاع الحرب 230 صيادًا في أنحاء متفرقة من قطاع غزة، إضافة إلى ارتقاء صيادين اثنين جراء انقلاب قارب صيد وشباكه فوقهما أثناء ممارستهما الصيد قرب المناطق الشاطئية، ما أدى إلى غرقهما.
وأوضح بكر لـ«فلسطين» أن ملاحقة بحرية الاحتلال للصيادين ليست أمرًا جديدًا، مشيرًا إلى أن الانتهاكات بحقهم تصاعدت خلال الحرب وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار.
وخلال الحرب اعتقلت بحرية الاحتلال ثمانية صيادين، وبعد سريان الاتفاق المبرم بوساطة ورعاية عربية ودولية اعتقلت 37 صيادًا أثناء ممارستهم الصيد قرب الشاطئ، وأفرجت فقط عن 18 منهم، وفق بكر.
وأكد أن معدات الصيد والقوارب على اختلاف أحجامها، التي كانت ترسو في حوض الميناء، لم تسلم من الغارات والضربات الجوية التي دمّرت أكثر من 90% من مقدرات قطاع الصيد.
ويتراوح عدد الصيادين –والكلام لبكر– عند نحو 4500 صياد، لكن بسبب الحرب واستشهاد المئات منهم واعتقال آخرين، إضافة إلى تدمير قواربهم، لم يعد يعمل في هذا القطاع سوى نحو 600 صياد، بالكاد قادرين على توفير 2% من كمية الأسماك التي تحتاجها غزة سنويًا، والمقدّرة بنحو 20 ألف طن.
وعلى الرغم من استمرار الانتهاكات الإسرائيلية بحق الصيادين، فإنهم يواصلون عملهم تحت وطأة المخاطر التي تلاحقهم، في محاولة لانتزاع قوت أبنائهم من فم الموت.

