بعد خمسة عشر عامًا على ثورة 2011 التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي وفتحت الباب أمام تجربة انتقال ديمقراطي امتدت لعقد كامل، تجد تونس نفسها اليوم في قلب جدل سياسي محتدم حول مستقبل الحريات ومسار الحكم، وسط انقسام حاد بين من يرى أن البلاد انزلقت نحو الاستبداد، ومن يعتبر أن الرئيس قيس سعيّد يقود مرحلة "إنقاذ وتصحيح" بعد سنوات من الفوضى والصراع السياسي.
منذ 25 يوليو/تموز 2021، تاريخ إعلان سعيّد إجراءات استثنائية شملت حل البرلمان وتغيير الدستور، دخلت تونس أزمة سياسية متصاعدة. وقد اعتبرت المعارضة تلك الخطوات "انقلابًا على الدستور"، بينما يؤكد الرئيس وأنصاره أنها "إجراءات دستورية لحماية الدولة".
هل عادت تونس إلى مربع الاستبداد؟
يرى المحامي والناشط السياسي عبد الرزاق الخليلي أن توصيف المرحلة الحالية بـ"الاستبداد" غير دقيق، مشيرًا إلى أنّ النظام الاستبدادي بطبيعته يغلق المجال العام ويحظر الحريات، في حين تشهد تونس – وفق رأيه – استمرار النقاش العام ووجود منابر إعلامية مفتوحة ومظاهرات أسبوعية تنتقد السلطة.
ويضيف الخليلي أن مرحلة ما بعد 25 يوليو هي "مرحلة إعادة النظام بعد سنوات من الفوضى"، وأن القضايا التي يلاحَق بسببها سياسيون تتعلق بملفات تآمر وفساد يجري التحقيق فيها قضائيًا، وليست انتقائية كما تقول المعارضة.
اتهامات بـ"التضييق على الحريات"
على الضفة الأخرى، يرى المحامي والناشط السياسي كريم المرزوقي أن تونس تعيش منذ إعلان حالة الاستثناء "مسارًا متواصلًا من التضييق على الحريات"، يبدأ – بحسب قوله – من المساس باستقلال القضاء بعد حلّ المجلس الأعلى للقضاء، إلى تحويل الإعلام العمومي إلى "أداة دعائية للسلطة".
ويؤكد المرزوقي أن النظام الجديد يقيّد الفضاء السياسي عبر اعتقال المعارضين وتوجيه تهم "التآمر على الدولة" التي تشبه – وفق تعبيره – ممارسات تعود إلى الستينات والسبعينات، معتبرًا أن الهدف منها "بثّ الخوف في المشهد السياسي".
تعقيدات المسار الانتقالي
أما الأكاديمي ومدير المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية سابقًا طارق الكحلاوي، فيصف الوضع الراهن بأنه "معقد ومركّب"، لافتًا إلى أن مسار ما بعد الثورة حقق مكاسب مهمة، مثل أول انتخابات حرّة في 2011 وتداول السلطة وفق دستور 2014، لكنه تعثر بسبب الانقسامات السياسية والأزمات المتلاحقة.
ويشير الكحلاوي إلى أن اتهامات التآمر التي يوجّهها الرئيس تستهدف شخصيات متنافرة لا يجمع بينها شيء، ما يثير تساؤلات حول مدى تماسك هذه الملفات، خاصة أن هذه التهمة خطيرة وتحتاج إلى أدلة قاطعة.
ويضيف أن خطاب الرئيس يتجاوز خصومه السياسيين ليطال مؤسسات الدولة وقطاعات عديدة، في سياق يرى فيه البعض تجليات واضحة لنزعة شعبوية متصاعدة.
خلاصة المشهد
بعد 15 عامًا على الثورة، تبدو تونس عالقة بين رؤيتين: رؤية ترى أن ما جرى هو تصحيح لمسار انتقالي متعثر تطلب إصلاحات جذرية ومحاسبة الفاسدين، ورؤية تعتبر أن البلاد تتجه نحو نموذج سلطوي جديد يهدد مكاسب الحرية والتعددية التي أنتجتها الثورة، وبين هذين الموقفين، تستمر الأزمة السياسية في بلد كان يومًا ملهِمًا لثورات المنطقة، ولا تزال أسئلته الكبرى مفتوحة: هل تستعيد تونس مسارها الديمقراطي، أم تتجه نحو نموذج حكم مركزي قوي؟