في حياة الإنسان أخطار كثيرة تتبدّل أشكالها مع الزمن، لكن أخطرها جميعًا أن يفقد مركز ثقله الداخلي. أن يعيش بلا نية مستقرة ولا موقف واضح، فيتحول إلى كائن يتشكل بحسب الضغط لا بحسب القناعة، وبحسب الريح لا بحسب البوصلة. في مثل هذه الحالة لا يعود الإنسان فاعلًا في حياته، بل مادة قابلة للتشكيل، تُحرّكها الظروف، وتستعملها المصالح، وتستنزفها اللحظة. وفي زمنٍ يُعاد فيه تعريف القيم، ويُسوّق فيه التلوّن على أنه ذكاء اجتماعي، يصبح الثبات فعل مقاومة هادئة، لا تشددًا ولا تعصبًا.
النية هي العمود الفقري للحياة الداخلية. ليست فكرة طارئة ولا رغبة مؤقتة، بل هي المعنى الذي تنتظم حوله الأفعال، حتى تلك التي لا يراها أحد. الاستقرار في النية يعني أن يكون للإنسان سبب عميق يتحرك لأجله، ومرجعية يعود إليها حين تختلط عليه الطرق. قد تتغير الظروف، وقد تضيق السبل، وقد تتبدل النتائج، لكن النية المستقرة تمنع الإنسان من أن ينقلب على نفسه. وحين تضطرب النية، يصبح العمل مشروطًا بالتصفيق، ويغدو العطاء مرهونًا بالمكافأة، وتتحول المبادئ إلى شعارات تُرفع أو تُخفَض بحسب الحاجة.
وإذا كانت النية هي العالم الباطن، فإن الموقف هو ظهوره في الواقع. الموقف هو اللحظة التي يُختبر فيها صدق الإنسان مع نفسه قبل أن يُختبر أمام الآخرين. ليس كل من امتلك نية حسنة قادرًا على اتخاذ موقف سليم، لأن الموقف يتطلب شجاعة، وقدرة على تحمّل التبعات، واستعدادًا لدفع ثمنٍ لا يُعرف مداه. لذلك كثيرون يُحسنون النوايا، لكنهم يتعثرون عند أول مفترق حقيقي. الثبات في الموقف لا يعني العناد ولا الاصطدام الدائم، بل يعني الوضوح الأخلاقي، والقدرة على قول ما يجب قوله، أو الامتناع عما لا يجوز فعله، ولو كان الصمت أقل كلفة ظاهرية.
المتقلّب في مواقفه قد يبدو مرنًا، لكنه في داخله يعيش حالة تآكل مستمر. مع كل تنازل غير محسوب، ومع كل موقف يُبدَّل دون قناعة، يتناقص احترامه لذاته، ولو لم يشعر بذلك فورًا. التبرير يصبح عادته اليومية، والشكوى لغته المفضلة، لأنه مضطر دائمًا إلى تفسير نفسه للآخرين، بل لنفسه أولًا. أما الإنسان الثابت، فقد يُساء فهمه، وقد يُتهم بالقسوة أو التصلب، لكنه يملك شيئًا نادرًا: راحة الضمير، واستقامة العلاقة مع الذات.
ومن أكثر ما يُربك هذا الباب الخلط بين الثبات والجمود. الثبات فعل وعي، والجمود فعل خوف. الثابت يملك مرونة داخلية تجعله قادرًا على التكيف دون أن يتنازل عن جوهره. يغيّر الوسيلة إذا لزم الأمر، ويؤجل الخطوة إن اقتضت الحكمة، ويُعيد النظر في الأسلوب، لكنه لا يساوم على المعنى. أما الجامد فيختبئ خلف شعارات صلبة، ويخشى أي مراجعة، لأنه يظن أن السؤال بداية الانهيار. لذلك فالثبات الحقيقي ليس انغلاقًا، بل حضورًا واعيًا في الواقع دون ذوبان فيه.
المرونة، حين تكون في موضعها الصحيح، دليل نضج لا ضعف. الحياة بطبيعتها متحركة، والإنسان الذي لا يملك قدرة على التكيف محكوم بالانكسار. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المرونة إلى مبدأ شامل يبتلع كل شيء، فلا يبقى ثابت واحد. عندها تصبح القيم قابلة للتأويل حسب المصلحة، ويغدو الحق مسألة نسبية، وتتحول الكرامة إلى تفصيل يمكن تأجيله. المرونة السليمة تخدم الثوابت، لا تذيبها، وتحمي المقاصد، لا تفرغها من مضمونها.
كثير من الناس يسقطون في فخ التقلّب لأنهم يعيشون تحت ضغط الخوف. الخوف من فقدان الموقع، أو من خسارة الرزق، أو من نظرة المجتمع، أو من سلطة غاشمة. وأحيانًا يكون السبب تعبًا متراكمًا لا يجد صاحبه من يسانده فيه، فيبدأ بالتنازل خطوة بعد خطوة حتى يفقد القدرة على التوقف. غير أن التنازل لا يطفئ الخوف، بل يؤجله، ولا يحمي صاحبه، بل يجعله أكثر هشاشة. فالعالم لا يحترم من لا يحترم حدوده الداخلية.
الثبات، على عكس ما يُشاع، لا يصنع القلق بل يخففه. الإنسان الذي يعرف ما يريد، وما لا يريده، يعيش قدرًا من السلام الداخلي حتى في أشد الأوقات اضطرابًا. قد يخسر فرصًا، وقد يتأخر، وقد يدفع أثمانًا مؤلمة، لكنه لا يعيش ممزقًا من الداخل. أما المتلوّن، فيبدو ناجحًا في لحظات، لكنه يحمل في داخله توترًا دائمًا، لأنه يعرف أن موقعه غير آمن، وأنه قائم على أرض رخوة.
وفي أزمنة الفتن، يصبح الاستقرار في النية والموقف أثقل وأصعب، لكنه أكثر ضرورة. حين تختلط المفاهيم، ويُبرَّر الباطل بلغة ناعمة، ويُهاجَم الثابت لأنه يذكّر الآخرين بتناقضاتهم، يكون الثبات ضربًا من الشهادة الصامتة. لا يُطلب من الإنسان أن ينتصر في كل معركة، ولا أن يواجه الجميع، لكن يُطلب منه ألا يتحول إلى شاهد زور، وألا يساهم في تزوير المعنى، وألا يُقايض سكوته على حساب الحقيقة. أحيانًا يكون أعظم أشكال الثبات هو الرفض الهادئ، أو الانسحاب النظيف، أو الصمت الذي لا يبارك الخطأ. فليس كل صمت ضعفًا، كما أن ليس كل كلام شجاعة. الثبات حكمة قبل أن يكون موقفًا، وبصيرة قبل أن يكون صدامًا.
في المحصلة، الإنسان بلا نية مستقرة يشبه سفينة بلا مرساة، تتحرك كثيرًا لكنها لا تصل. وبلا موقف واضح يشبه شجرة بلا جذور، قد تبدو خضراء لكنها تسقط مع أول ريح. نعم، المرونة ضرورة، لكن الثوابت هي التي تمنح المرونة معناها وحدودها. ومن عرف نفسه، وحدد ما يريد، وميّز ما لا يساوم عليه، استطاع أن يسير في الحياة بثبات، وإن اضطرب الطريق، وبسلام، وإن اشتدت العواصف. فالثبات في النية والموقف ليس تصلبًا ولا تشددًا، بل هو علامة نضج، ودليل حياة داخلية سليمة، وأحد شروط النجاة في زمن الرياح المتعاكسة.

