لم تكن المسافة بين ضحكة الطفل محمد خليل أبو سمعان (13 عامًا) وسكونه الأبدي سوى رصاصةٍ واحدةٍ انطلقت من طائرةٍ مسيّرة.
في لحظةٍ خاطفة، تحوّل البيت الذي احتمى به إلى شاهدٍ على الفقد، وتحوّلت حقيبته المدرسية إلى ذكرى معلّقةٍ على بابٍ لن يفتحه مجددًا.
بعد ساعاتٍ من الصراع مع الموت داخل العناية المركزة في مجمع الشفاء الطبي، أُعلن صباح الجمعة السادس من فبراير/ شباط 2026 استشهاد محمد، متأثرًا بإصابته الحرجة برصاص طائرة "كواد كابتر" في حيّ الزيتون بمدينة غزة، في حادثةٍ تعكس هشاشة الأمان حتى داخل المنازل.
في صباح الخميس السابق، كان هدوءٌ حذر يخيّم على الحيّ، بينما واصلت الطائرات المسيّرة تحليقها الكثيف وإطلاق النار عشوائيًا، وفق رواية والده خليل أبو سمعان (42 عامًا)، الذي قال:
"بقينا داخل البيت ظنًا أنه المكان الأكثر أمانًا، لكن الموت كان أقرب مما تخيّلنا".
صعد محمد إلى الطابق الثالث لينادي خاله من أجل صديقٍ كان ينتظره، قبل أن يسقط فجأةً أرضًا غارقًا في دمائه، في مشهدٍ أربك العائلة التي ظنّت في البداية أنه تعثّر وسقط، قبل أن يكشف التشخيص الطبي إصابته بطلقٍ ناري مباشر في الرأس أفقده الوعي فورًا.
يروي خاله شكري الجاروشة (28 عامًا)، الذي كان أول من وصل إليه، تفاصيل اللحظة: "سمعت صوت ارتطامٍ قوي، ركضت نحوه فوجدت الدم ينزف بغزارة. حملته بين ذراعي، وكان رأسه الصغير متهتكًا بشدة… مشهدٌ لن يغادر ذاكرتي ما حييت".
ويضيف: "ركضت به نحو المستشفى، والوقت يمر كأنه دهر. اغتالوا فرحتنا به في ثوانٍ قبل أن يكمل نداءه".
داخل قسم العناية المركزة، بدت المؤشرات الطبية منذ اللحظة الأولى شديدة الخطورة نتيجة تضرّر الدماغ الكامل، لتتحوّل ساعات الانتظار إلى وداعٍ بطيءٍ لعائلةٍ تعلّقت بأملٍ أخير لم يتحقّق.
يقول والده بصوتٍ مثقلٍ بالعجز: "أصعب ما يعيشه الأب أن يرى طفله الذي كان يركض قبل دقائق بلا حراك. رصاصة واحدة سرقت صوته وحركته إلى الأبد… ولا أملك له سوى الدعاء وصرخةً للعالم كي يوقف هذه الطائرات التي تسرق أطفالنا من داخل بيوتنا".
تندرج حادثة استشهاد محمد ضمن خروقاتٍ متواصلةٍ لم تتوقف رغم تراجع العمليات العسكرية الواسعة، حيث يستمر تحليق الطائرات المسيّرة وعمليات القنص التي تحوّلت—وفق إفادات ميدانية—إلى تهديدٍ دائمٍ للمدنيين.
ويؤكد ذلك نمطًا من الاستهداف يبقي السكان في دائرة الخطر المستمر، حتى في الفترات التي يُفترض أن تشهد هدوءًا نسبيًا.
برحيل محمد، تنضم حقيبته المدرسية الصامتة إلى قائمةٍ طويلةٍ من أحلام أطفال غزة المؤجّلة.
دمه لا يروي حكاية طفلٍ واحدٍ فحسب، بل يختصر سؤالًا أكبر عن طفولةٍ تُستهدف قبل أن تكبر، وعدالةٍ ما تزال غائبة.
ومع ذلك، تبقى الحكايات تُروى… انتظارًا ليومٍ يُسأل فيه القاتل: كم حلمًا يجب أن يُغتال قبل أن يتوقّف هذا النزيف؟

