فلسطين أون لاين

مع حلول الليل، لا ينام الخوف في المكان.

تقرير عائلة أبو قمر تختار البقاء قرب “الخط الأصفر” في خانيونس

...
الوجود قرب “الخط الأصفر” رسالة واضحة للاحتلال بأن الفلسطينيين متمسكون بأرضهم
خان يونس/ محمد أبو شحمة:

قرب ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” شرقي مدينة خانيونس، حيث يختلط الصمت بأصوات الرصاص المتقطع، تُشعل عائلة إبراهيم أبو قمر مصباحًا خافتًا داخل خيمتها، محاولةً أن تصنع حياةً ممكنة في واحدة من أخطر بقاع القطاع. هنا، اختارت العائلة البقاء، لا لأن المكان آمن، بل لأن الرحيل بات يعني اقتلاع ما تبقّى من معنى للوجود.

قرار البقاء لم يكن سهلًا، فالمنطقة تُعد من أكثر المناطق تعرضًا لإطلاق النار العشوائي من قوات الاحتلال الإسرائيلي، لقربها من مناطق التماس. ومع ذلك، رفضت العائلة مغادرتها، متمسكة بالأرض باعتبارها آخر ما تملكه بعد حربٍ لم تترك للفلسطينيين سوى خيارين: الصمود أو التهجير.

تعيش عائلة أبو قمر ظروفًا إنسانية قاسية؛ لا مياه منتظمة، ولا كهرباء، ولا خدمات صحية أو بلدية. يعتمد أفرادها على وسائل بدائية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، وسط شح الموارد وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية بسبب خطورة المنطقة. ومع ذلك، يواصلون تفاصيل حياتهم اليومية وكأن البقاء ذاته فعل مقاومة صامتة.

الخيام في هذه المنطقة لا تصطف كمخيمات النزوح الكبيرة في مواصي خانيونس، بل تتوزع بشكل متباعد بين ركام المنازل التي دمرها الاحتلال. معظمها خيام مهترئة، أُقيمت من شوادر بلاستيكية وأخشاب بسيطة تُعرف بـ“مشاطيح” البضائع، يستخدمها النازحون لتدعيم خيامهم في مواجهة الرياح والأمطار التي لا ترحم.

إبراهيم أبو قمر، رب الأسرة، يؤكد لصحيفة “فلسطين” أن قرار البقاء لم يكن مغامرة، بل موقفًا واعيًا في وجه سياسة التهجير القسري.

ويقول: “دمر الاحتلال منزلي في منطقة السكة وسط خان يونس، كما دُمرت منازل أشقائي وأقاربي. نزحنا إلى المواصي حين كان الجيش متواجدًا في المدينة، لكننا عدنا فور انسحابه ودخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، واخترنا العيش فوق ركام منزلنا”.

ويضيف أن الخطر لا يفارق العائلة، خصوصًا في ساعات الليل، حين يتجدد إطلاق النار وتعلو أصوات الرصاص قرب الخيمة، ما يزرع الخوف في قلوب الأطفال. ورغم ذلك، يحاول الأب بث الطمأنينة في نفوسهم، وغرس معنى الثبات كقيمة للحياة لا خيارًا مؤقتًا.

ويشير أبو قمر إلى أن عدد السكان في المنطقة ما يزال محدودًا من أصحاب المنازل المدمرة، لكنه يتزايد يومًا بعد آخر مع عودة بعض الجيران، وتشجيعهم بعضهم البعض على البقاء، وبدء عودة مظاهر حياة بسيطة، كفتح بسطات صغيرة ووصول عربات مياه الشرب.

بالنسبة له، فإن الوجود قرب “الخط الأصفر” رسالة واضحة للاحتلال بأن الفلسطينيين متمسكون بأرضهم، وأن القوة العسكرية والتهديد لا يمكنها اقتلاع الناس من جذورهم.

لكن هذا الصمود لا يُخفي حجم المعاناة. يشكو أبو قمر من غياب الخدمات وتراجع دور المؤسسات الإنسانية والدولية في إيصال المساعدات لسكان المنطقة، بذريعة صعوبة الوصول إليها، ما يضاعف الأعباء على العائلات التي اختارت العودة.

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يواصل جيش الاحتلال عمليات النسف والتدمير لما تبقى من مبانٍ خلف “الخط الأصفر”، إلى جانب توسيع نطاقه داخل عمق القطاع، ما يبقي العائلات العائدة في حالة قلق دائم.

هنا، قرب الرصاص والركام، لا تعيش عائلة أبو قمر انتظارًا مؤقتًا، بل معركة يومية من أجل البقاء… معركة عنوانها الأرض، وسلاحها الصمود.

 

المصدر / فلسطين أون لاين