لم يبقَ للمسنّ الفلسطيني محمد زملط من بيته الكبير ولا من أبنائه الذين كانوا يملؤون المكان حياةً، سوى خيمة نزوحٍ ضيقة، وذاكرةٍ مثقلةٍ بالفقد، ومصحفٍ يقلب صفحاته كل يوم كأنّه يتمسّك بما تبقّى من المعنى.
هناك، في أحد مراكز الإيواء بمخيم البريج وسط قطاع غزة، يحاول الرجل السبعيني أن يرمّم روحه بين قراءة القرآن ورسم لوحاتٍ ورقية، في مواجهة حربٍ سلبته البيت والأبناء والإرث الفني الذي جمعه طوال عمره.
يعيش زملط رحلة نزوحٍ قسرية للمرة الرابعة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بعد أن دُمّر منزله المكوّن من خمس طبقات قرب ما يُعرف بـ"الإدارة المدنية" شمالي القطاع، واستُشهد نجله البكر شادي (49 عامًا)، تاركًا خلفه خمسة أبناء صاروا في كنف جدٍّ مثقلٍ بالحزن.
ولم يتوقّف الفقد عند ذلك؛ إذ لحق به نجلاه علي (46 عامًا) ثم عبد الله، ليتركوا سبعة من الأبناء والبنات يتوزّعون على أماكن نزوح مختلفة، بعدما كان منزل الجد جامعًا للعائلة وذاكرتها.
لم تكن الجراح نفسيةً فقط؛ فقد أصيب المسنّ بشظية صاروخ في قدمه، أقعدته أشهرًا طويلة بين الفراش والعلاج.
ومنذ ذلك الحين، يتكئ على كتف نجله الصغير نور، المصاب بدوره برصاصة دبابة في كتفه، قبل أن يستند إلى جهاز مساعدٍ على المشي داخل مخيمٍ مزدحمٍ بخيام النازحين.
أمام خيمته، يجلس الرجل ذو اللحية البيضاء على كرسيٍّ بلاستيكي، وبجواره مصحفه الذي لا يفارقه، متنقّلًا بين السور والآيات، محافظًا على وردٍ يوميّ يختم به القرآن مرّة كل أسبوع، رغم تقدّم سنّه وخضوعه سابقًا لعملية قلبٍ مفتوح.
وبين تلاوةٍ وأخرى، يستعيد خريج كلية الفنون في جامعة القاهرة—قبل أكثر من نصف قرن—موهبته القديمة بالرسم، محاولًا أن يجد في الألوان متنفسًا من ثقل الألم، بعد أن دمّرت الغارات إرثه الفني الذي كان يحتفظ به أسفل منزله.
عمل زملط سنواتٍ طويلة معلّمًا في مدارس المملكة العربية السعودية، قبل أن يعود إلى غزة ويبني منزله ويؤسس معرضًا فنيًا للقطع النحاسية جمع فيه خلاصة عمرٍ من الشغف.
لكن الطائرات الحربية حوّلت ذلك كله إلى ركام، تاركةً الفنان العجوز يتحسّر على سنواتٍ من الذاكرة المهدورة.
ورغم ذلك، يحاول اليوم استعادة شيءٍ من إرثه عبر لوحاتٍ بسيطة تجمع بين الماضي والحاضر، وتوثّق مشاهد الإبادة التي عاش بداياتها وفصولها، شاهدًا على سبعة عقودٍ من الصراع لم يعرف لها خاتمة.
لم يكن زملط وحده من حاول الاحتماء بالفنّ وسط الدمار؛ فقد سعى فنانون كثر إلى تجسيد قسوة الحياة اليومية تحت القصف والجوع.
وتشير معطيات حكومية إلى أن جيش الاحتلال دمّر 208 مواقع أثرية وتراثية من أصل 325 موقعًا في قطاع غزة، فيما تعرّضت قطع نادرة للسرقة، كما أظهرت مقاطع مصوّرة نشرها جنود خلال اقتحام تلك المواقع أو منازل الفلسطينيين.
ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من 71 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 171 ألفًا، إضافةً إلى دمارٍ طال نحو 90% من البنى التحتية المدنية في القطاع.
داخل خيمته الصغيرة، لا يملك محمد زملط القدرة على استعادة أبنائه أو منزله أو معرضه الفني.
لكنه، بين آيةٍ تُتلى وخطٍّ يُرسم، يحاول أن يحفظ ما لم تستطع الحرب محوه:
إيمانه بالحياة… وذاكرةً ترفض أن تتحوّل إلى ركام.

