فلسطين أون لاين

مواليد تحت النار ...

تقرير كيف تحوّلت أرحام غزة إلى خط مواجهة صامت في حرب 2025؟

...
هكذا تبدو التشوهات في أرحام الأمهات الغزيات بسبب غياب الرعاية الطبية والنزوح والقصف الإسرائيلي
غزة/ هدى الدلو:

في خيمة بلاستيكية مهترئة جنوب قطاع غزة، جلس أحمد أبو عليان يحمل بقايا اسمٍ لم يكتمل. عاد قبل أيام من مستشفى ناصر الطبي بلا طفلته “سجود”، التي وُلدت لتخوض معركتها الأولى قبل أن ترى العالم. يقول بصوت مكسور:

“في الشهر الثالث من حمل زوجتي استنشقت غازات الصواريخ، وفي التاسع بدأت تعاني تسارعًا في ضربات القلب… والطبيبة قالت إن الجنين كان يشعر بما تشعر به أمه”.

بعد يومين فقط من عودتهم إلى الخيمة، تدهورت حالة الطفلة، وأعيدت إلى الحضانة. هناك، أبلغ الأطباء الأسرة بأن “سجود” تعاني تشوهات قلبية خطيرة، بينها ثقوب واسعة بين الأذينين والبطينين، وتضيّق شديد في الشريان الأورطي. لم يحتمل جسدها الصغير هذا الحمل، فتوفيت قبل أن يُكتب لها رقم وطني أو صورة.

طالع أيضًا: حين تُسقِط الحرب الأجنة قبل أن يولدوا
 

قصة “سجود” ليست حالة فردية، بل واحدة من عشرات القصص التي تكشف واقعًا صحيًا بالغ القسوة تعيشه النساء الحوامل في غزة خلال عام 2025، حيث تحوّل الحمل من انتظار للحياة إلى رحلة محفوفة بالموت.

أمهات بلا رعاية

بين الخيام ومراكز الإيواء، حملت صابرين محمد (26 عامًا) طفلها حتى الشهر التاسع دون متابعة طبية. تقول: “كنت أتنقل من مكان لآخر، بلا غذاء كافٍ ولا فحوصات. عندما وُلد طفلي كان ضعيفًا جدًا، وضعوه في الحضانة… وعندما عدت إلى البيت عدت وحدي”.

أما سندس حاتم (25 عامًا)، فقد بدأت معاناتها في الشهر السابع من الحمل، مع دخول وخروج متكرر من المستشفى، قبل أن تضع مولودتها ولادة مبكرة في الأسبوع الـ31.

وتضيف بقلق: “قال الطبيب لاحقًا إن هناك التهابًا في المشيمة، وبعد أربعة أشهر ظهرت ندبة في شبكية عين طفلتي. أخشى أن تفقد بصرها”.

هذه الشهادات تمثل ملامح أزمة مركبة: نزوح متكرر، سوء تغذية، غياب رعاية، وخطر صحي يلاحق الأجنة حتى قبل ولادتهم.

Wh4.24-1747579224.webp
الطفلة ملك القانوع.. أبرز حالات تشوه الأجنة خلال الحرب على غزة

أرقام تكشف حجم الكارثة

يحذّر مدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة، م. زاهر الوحيدي، من تصاعد غير مسبوق في مؤشرات صحة الأمهات والمواليد خلال عام 2025، مؤكدًا أن ما سُجّل هذا العام “لم يشهده القطاع الصحي من قبل”.

ويقول الوحيدي لـ"فلسطين" إن قطاع غزة شهد نحو 50 ألف ولادة خلال العام، سُجل من بينها 322 مولودًا بتشوهات خلقية، أي ضعف المعدلات التي كانت تُسجَّل قبل عام 2023.

ChatGPT Image 3 فبراير 2026، 08_40_16 م.png
مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة م. زاهر الوحيدي

ويوضح أن المعدل ارتفع من 32 حالة تشوه لكل 10 آلاف مولود، إلى 64 حالة لكل 10 آلاف، وهو ما وصفه بـ”المؤشر شديد الخطورة”.

كما رصدت وزارة الصحة 4900 مولود بأوزان أقل من الطبيعي، و4000 حالة ولادة مبكرة، إضافة إلى 622 حالة وفاة للأجنة داخل الرحم، و457 وفاة بين حديثي الولادة، معظمهم من الخدّج أو ناقصي الوزن، في ظل نقص حاد في الحضانات والعناية المركزة.

لماذا يحدث كل هذا؟

يعزو الوحيدي هذا التدهور إلى أربعة أسباب رئيسية، في مقدمتها المجاعة وسوء التغذية، حيث أظهرت الفحوصات أن 62% من النساء الحوامل يعانين من فقر الدم، ما يؤثر مباشرة على نمو الأجنة ويزيد احتمالات التشوهات والولادة المبكرة.

ويضيف أن ظروف النزوح، واستخدام مياه غير صالحة للشرب، وسوء الصرف الصحي، وانتشار القوارض والأمراض، كلها عوامل رفعت معدلات الإجهاض ووفيات المواليد.

سيسيسيس-1729691708.webp

يرجع الأطباء والمسؤولون هذه التشوهات في الأجنة لاستخدام إسرائيل أسلحة محظورة دوليا

كما لعب القصف المكثف والتلوث البيئي دورًا خطيرًا، إذ لم يترك حجم القصف الهائل شبرًا في غزة دون غبار ومواد سامة، ما انعكس بشكل مباشر على صحة الحوامل.

ويختم الوحيدي بالتحذير من أن غياب المكملات الغذائية والرعاية الصحية الأولية، وانعدام المتابعة الطبية المنتظمة بسبب النزوح، ينذر بتداعيات طويلة الأمد على الصحة الإنجابية في القطاع.

عودة إلى البداية

في الخيمة ذاتها، لا تزال والدة “سجود” تتجنب النظر إلى ملابس صغيرة لم تُستخدم. لا شهادة ميلاد، ولا صورة تذكارية، فقط تقرير طبي وألم مؤجل.

في غزة، لم تعد الحرب تقتل فقط من وُلدوا، بل باتت تفتك بمن لم يولدوا بعد… في صمتٍ لا تُحصيه الكاميرات، لكن تسجله الأرحام يومًا بعد يوم.

المصدر / فلسطين أون لاين