قائمة الموقع

النَّسف بدلاً من الإعمار... هل تنجح واشنطن في كبح سياسة الاحتلال؟

2026-02-03T18:13:00+02:00
اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي المتكررة على قطاع غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار / AA
فلسطين أون لاين

في وقتٍ يُفترض فيه أن تتجه الأنظار نحو إعادة إعمار ما دمّرته حرب الإبادة في قطاع غزة، يعيش القطاع واقعاً مغايراً تماماً، يتجسد في استمرار عمليات النسف والتدمير الممنهج لا سيّما في المناطق الشرقية، وسط ضبابية سياسية وتناقض صارخ بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.

ويطرح هذا التناقض تساؤلات حول نوايا الاحتلال الاسرائيلي، وجدّية الوسطاء الدوليين، وحدود الضغط الأميركي في المرحلة المقبلة، لا سيّما أن الاحتلال لا يزال يستخدم أدوات القتل والهدم وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة، في رسالة واضحة مفادها أن الحرب لم تنتهِ، بل تغيّرت أشكالها فقط.

طالع أيضًا: (إسرائيل) تُصَعِّد مجددًا.. خروقاتٌ عسكرية تهدف لتعطيل لجنة إدارة غزة

ويواصل الاحتلال عمليات النسف والتدمير في المناطق المصنفة "صفراء" الواقعة شرقي قطاع غزة، باستخدام عبر القصف من الطائرات الحربية والريبوتات المتفجرة، ما أدى الى تدمير منازل ومنشآت وتحويلها إلى أكوام من الحجارة، عدا عن المخاطر التي تلحق بالمواطنين القاطنين في المناطق القريبة بفعل إطلاق النار المتواصل.

ويرى د. رائد نعيرات، أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، أن الاحتلال يتعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه توقفًا مؤقتًا لحجم المجازر، لا نهاية للحرب ذاتها.

ويؤكد نعيرات لصحيفة "فلسطين"، أن "الحرب لم تتوقف فعليًا، بل استمرت بأشكال أخرى من القتل والاستهداف والسياسات الإسرائيلية، وأن ما جرى منذ وقف إطلاق النار هو فقط خضوع الاحتلال لقواعد اشتباك جديدة، لا التزام حقيقي بإنهاء العدوان".


د. رائد نعيرات، أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية

ويضيف نعيرات أن (إسرائيل) ترفض الاعتراف بأن المرحلة الثانية من الاتفاق قد بدأت، وتسعى إلى فرض روايات جديدة لم تكن مطروحة سابقًا، أبرزها ملف "نزع السلاح"، في محاولة لإعادة تعريف مسار الاتفاق بما يخدم أجندتها السياسية والأمنية.

وبحسب نعيرات، فإن الاحتلال لا يريد الإعمار بقدر ما يريد إبقاء غزة بلا أفق، من خلال النسف المستمر ورفض أي خطوات جدية لإعادة البناء، بهدف نزع الأمل من سكان القطاع ودفعهم نحو التهجير.

ويشير إلى أن خطط الإعمار التي يجري الحديث عنها، بما في ذلك دور مجلس السلام أو إدخال حكومة تكنوقراط، تصطدم برفض إسرائيلي صريح، يقابله إصرار على استمرار التدمير كجزء من استراتيجية طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، يضع نعيرات مصداقية الولايات المتحدة على المحك، متسائلًا عمّا إذا كانت واشنطن ستدفع باتجاه رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب وخطته السياسية، أم ستترك المشهد خاضعًا لرؤية بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة.

ورغم ذلك، يميل نعيرات إلى الاعتقاد بأن ضغوطًا أميركية ستُمارس في المرحلة المقبلة، لكنها قد تقود إلى إعمار بطيء وضبابي، تُقيّده أسئلة بلا إجابات حول حجم الإعمار وجغرافيته وطبيعته.

من جهته، يربط عادل ياسين، المختص في الشأن الإسرائيلي، استمرار عمليات النسف والتدمير بطبيعة حكومة الاحتلال المتطرفة التي ترى في القتل والدمار وسيلة فعالة لتحقيق أهدافها السياسية والأيديولوجية.

ويؤكد ياسين لـ "فلسطين"، أن القيادات السياسية والعسكرية في (إسرائيل) تتباهى علنًا بحجم الدمار في غزة، وتسوّق ذلك لجمهورها الداخلي، خصوصًا في ظل الحديث عن إمكانية تقديم موعد الانتخابات، حيث يشكّل الخطاب المتشدد رافعة انتخابية أساسية لليمين.

ويعتبر ياسين أن ما يجري شرقي قطاع غزة دليل واضح على أن حكومة الاحتلال لا تريد الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وتسعى للتهرب من استحقاقاتها، خاصة ما يتعلق بالانسحاب من "الخط الأصفر".


عادل ياسين المختص في الشأن الإسرائيلي

ووفق تقديره، تهدف عمليات النسف، إلى إدامة حالة الخوف والرعب بين الفلسطينيين، ومنعهم من الشعور بأي استقرار نسبي، والتلويح الدائم بإمكانية عودة الحرب، بما يشجع على الهجرة القسرية.

وعن انعكاس هذه السياسات على مسار المرحلة الثانية، يرى ياسين أن نجاح الانتقال مرهون بمدى جدية الإدارة الأميركية والوسطاء وقدرتهم على ممارسة ضغط حقيقي على (إسرائيل) لاحترام بنود الاتفاق، لا سيّما أن فصائل المقاومة التزمت، بتطبيق ما عليها رغم الخروقات الإسرائيلية المتواصلة.

ويشير إلى أن بعض المؤشرات، مثل إعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين، توحي بأن المرحلة الثانية قد انطلقت فعليًا، ما يحمّل واشنطن والوسطاء مسؤولية مباشرة عن نجاح أو فشل الخطة الأميركية.

وفيما يتعلق بالحديث المتوازي عن الإعمار مقابل استمرار النسف، يتوقع ياسين أن تجد حكومة الاحتلال نفسها مضطرة، في نهاية المطاف، إلى الرضوخ للضغط الأميركي والإرادة الدولية، لكنها ستعمل في الوقت ذاته على وضع العراقيل والمماطلة لإفراغ المرحلة الثانية من مضمونها.

ويبقى، بحسب تقديره، أن مستقبل غزة في المرحلة المقبلة سيظل معلقًا على ميزان دقيق بين الضغط الدولي، وتعنت الاحتلال، وصمود الفلسطينيين في وجه سياسة النسف بدل الإعمار.

اخبار ذات صلة