رنّ الهاتف صباح السبت كما اعتاد أن يفعل كل يوم؛ مكالمة قصيرة وطمأنة بين زوجين فرّقتهما المسافات والمرض والحرب. كان صوته هادئًا، يحدّثها عن أطفالهما الخمسة، عن تفاصيلهم الصغيرة، وعن يومٍ آخر سيمرّ بسلام. أنهى المكالمة باتفاق بسيط: «انتبهِي على نفسك، وإن شاء الله بتواصل معك بس أخلص دوامي».
لم تكن إيمان تعلم أن تلك الكلمات ستكون آخر ما تسمعه منه.
بعد أقل من ساعة، بدأت الأخبار تتسرّب وتتسارع عن قصفٍ وعدوانٍ جديد يشنّه الاحتلال على غزة.
«قصف مركز شرطة الشيخ رضوان»… عنوان خبر لم يمرّ سريعًا على قلبها، بل توقّفت عنده نبضاته. اسم المكان مألوف، والوظيفة مألوفة، والهاتف لم يعد يجيب.
من سرير العلاج في الضفة الغربية، حيث كانت تحارب السرطان وتعدّ الأيام للعودة إلى غزة، أعادت الاتصال به مرارًا، بلا جدوى. كانت تخشى أن تكون تلك المكالمة الصباحية وداعًا لم يُتَّفق عليه.
الوصول إلى الحقيقة
تروي زوجته لصحيفة «فلسطين»، وهي تعود إلى المشهد بقلبٍ يملؤه الوجع وصوتٍ مكسور: «ما إن قرأت الخبر حتى اتصلت به مرة واثنتين، لكن الرد كان: لا يمكن الوصول. بدأ التوتر يتسلل إليّ، وكانت يدي ترتجف من القلق. اتصلت بشقيقه وأخبرته بما قرأت، فهرع إلى مركز الشرطة يبحث عنه بين الوجوه والغرف، دون أن يجده».
من مكانها البعيد، بقيت معلّقة بالهاتف، تتابع الاتصالات لحظة بلحظة، حتى وصل شقيقه إلى مجمع الشفاء. هناك، كان الخبر صاعقًا، مختصرًا، وضع النقطة الأخيرة على آخر أملٍ كانت تتعلّق به: «وجدوه بين الشهداء».
لم ينقطع الاتصال حينها بعد تلك العبارة فقط، بل انقطع شيء من روحها. كان ذلك في 31 يناير/ كانون الثاني 2026، اليوم الذي ارتكب فيه الاحتلال مجازر عدة، أسفرت عن استشهاد نحو 32 مواطنًا، غالبيتهم في مركز شرطة الشيخ رضوان.
قبل اندلاع الحرب بثلاثة أيام، وبعد تشخيص إصابتها بالسرطان، سافرت إيمان (37 عامًا) إلى مدينة نابلس في الضفة الغربية لتلقّي العلاج. بقي زوجها، المقدّم في جهاز الشرطة بغزة رامي المبيض (39 عامًا)، مع أطفالهما الخمسة.
ومع اندلاع الحرب وبداية الإبادة، حمل عبئًا ثقيلًا بين رعاية أطفاله في غياب أمهم، وأداء دوره الشرطي في حفظ الأمن. لم يغادر الميدان، وبقي في موقعه حتى استُشهد أثناء ممارسة عمله مسؤولًا عن قسم التحقيقات في المركز.
تصفه زوجته بأنه «حنون وطيب القلب عليّ وعلى أطفاله».
وتقول: «لم تمرّ ساعة إلا وكان يتصل بي عبر الإنترنت، يحدّثني عن تفاصيل حياتهم اليومية، ليجعلني أعيش بينهم. كان يتصل قبل النوم، وعند الاستيقاظ صباحًا، يواسيني ويخفف عني، ويكرر دائمًا: أنتِ هناك للعلاج، وحتى تعودي لنا بخير».
إصابات لم تُبعده عن الميدان
تعرض المبيض لإصابتين خلال الحرب؛ الأولى كانت شبه قاتلة، عندما أطلق قنّاص إسرائيلي رصاصة عليه أثناء تأمين شاحنات المساعدات القادمة من منطقة «زيكيم» شمال غزة، لامست رأسه وتسببت بعشر غرز جراحية. أما الإصابة الثانية فكانت طفيفة في الرأس أيضًا، أثناء مهمة مشابهة.
تقول زوجته: «لم تؤثر الإصابتان على عمله، بل زادته قوةً وعزيمةً وإصرارًا على المتابعة وخدمة وطنه».
وتستذكر يوم إصابته الأولى: «اتصلت به ولم يرد، لأنني قرأت عن وجود إصابات وشهداء. في المساء اتصل بي، ورأيت الغرز في رأسه. حزنت وبكيت كثيرًا، وحمدت الله على نجاته».
الداعم الأول
لدى المبيض خمسة أبناء: ديما (13 عامًا)، ومصعب (12 عامًا)، ولانا (9 أعوام)، وأنس (7 أعوام)، ويمان (4 أعوام).
تسبق كلماتها دمعة، ثم تقول بصوتٍ مثقل:
«كان دائمًا يسعى لتلبية احتياجاتهم وتربيتهم تربية صالحة. في غيابي كان لهم الأب والأم معًا؛ يطهو الطعام، وينظف البيت، ويؤدي الدورين دون أن يشعرني يومًا بالضيق. كان نعم الزوج والسند، وكنت أستمد قوتي من دعمه».
وتضيف: «كان يهوّن عليّ مرضي، ويتواصل معي لحظة بلحظة، ويقول: أنتِ خرجتِ لخير، وستعودين سالمة… في وقتٍ كان هو أحوج لمن يواسيه».
لم يذق المبيض طعم الراحة، كما تقول زوجته: «كان يفضفض لي دائمًا، وأحاول أن أواسيه ببعض الكلمات. كان يؤمّن احتياجات الأولاد قبل ذهابه للعمل، وعند عودته يشتري لهم ما يفرحهم، ليعوّض غيابي عنهم. عاش الحرب في تعبٍ ومعاناة ربما لا يستطيع أي رجل آخر تحمّلها».
ومع تزايد الأعباء بين العمل ورعاية أطفاله، غيّرت إدارته نظام دوامه من 24 ساعة متواصلة مقابل 48 ساعة راحة، إلى دوام يومي منتظم من التاسعة صباحًا حتى الثانية ظهرًا.
تعلّق زوجته: «قبل تسلّمه قسم التحقيقات، كان له دور كبير في ردع اللصوص، ومحاربة المجرمين، وتنظيم الأسواق، وفضّ النزاعات. تعرّض لمواقف صعبة، من إطلاق نار واستهداف مستمر من جيش الاحتلال».
حصار ومجاعة
واجه المبيض وأطفاله مواقف قاسية، وعاشوا المجاعة. وخلال الفترة الأولى من الحرب واجتياح الاحتلال لمدينة غزة، حوصرت العائلة بعدما وصلت دبابات الاحتلال إلى حي الشيخ رضوان.
تغالب دموعها وتقول: «كانت الدبابة أسفل البيت، وانقطع الاتصال بهم عشرة أيام. كانوا يسمعون أصوات الانفجارات وإعدامات الجيران، ولم يتحركوا، ولم يشعلوا ضوءًا، ولم يطهو الطعام، خوفًا من انكشاف مكانهم».
وخلال طريقه اليومي إلى عمله، وأثناء مكالماتهما الهاتفية، كان حديثهما ينقطع بأصوات الجيران والأصدقاء. تتوقف قليلًا، ثم تقول بنبرة فخرٍ خافتة: «كنت أسمع من يطلب مساعدته، وآخر يشكو مظلمة. لم يكن يردّ أحدًا. كان يحاول مساعدة الجميع، في الحي والعائلة، وبحكم كونه الأكبر بينهم، كانوا دائمًا يلجأون إليه».