من معطفه الأبيض الذي سار به بين الدبابات الإسرائيلية وبين الركام أثناء سيره تجاه إحدى الآليات لحظة اعتقاله في صورة بقيت حاضرة في الضمير الإنساني العالمي كأيقونة للصمود لطبيب كرس حياته خلال الحرب لعلاج الجرحى ورفض مغادرة مرضاه تحت القصف، إلى زنزانة يُحاكم فيها بتهم لا تشبه مهنته بأنه "مقاتل غير شرعي"، تتكشف قصة طبيب الأطفال حسام أبو صفية الذي تحوّل من منقذٍ للأطفال ومسعف للمصابين إلى هدفٍ للاعتقال والتعذيب وحملات التشويه، في وقت تتصاعد فيه المطالبات الدولية بالإفراج عنه وكشف حقيقة ما يتعرض له من تعذيب وإهمال طبي وتجويع داخل زنزانة العزل الإسرائيلية، في مشهد يلخّص واحدة من أكثر مفارقات الحرب قسوة.
ظلّ أبو صفية صامدًا في شمال قطاع غزة، رافضًا النزوح وترك المرضى والمصابين إلا بتوفير "ممر آمن" لهم. لم يرضخ للتهديدات الإسرائيلية، ودافع عن مهنته الإنسانية في أقسى الظروف، حين كانت الدبابات تقف على مقربة من المستشفى، وحين كان الموت أقرب إليه من الحياة، في حين كان القصف وإطلاق النار يطوقان المكان.
هكذا عكس الدكتور حسام أبو صفية وجهًا من وجوه صمود غزة في مواجهة الإبادة، بعدما تُرك وحيدًا مع الطاقم الطبي بلا مقومات أساسية من دواء أو طعام أو ماء. وفي آخر صرخة له قال: “نحن نموت ولا أحد يشعر بنا”.
ورغم مرور أكثر من عام على اعتقاله، وتدهور حالته الصحية، وتصاعد الحملات التضامنية المطالِبة بالإفراج عنه، واصل الاحتلال معاقبة الطبيب بكل الوسائل، من التعذيب الجسدي والنفسي، إلى محاولات تشويه صورته ورمزيته العالمية كأيقونة للصمود والإنسانية.
ولا تزال صورته التي التُقطت فجر 27 ديسمبر/كانون الأول 2024، وهو يرتدي معطفه الأبيض، يشق طريقه شامخًا وسط الركام والدمار، متجهًا نحو آلية عسكرية إسرائيلية اعتقلته واقتادته إلى معسكر “سديه تيمان” ثم إلى سجن “عوفر”، محفورة في الذاكرة الجمعية والرأي العام الدولي، في مشهد يحاول الاحتلال طمسه عبر إلصاق تهم مختلقة به.
وتعرّض الطبيب أبو صفية للاعتقال وهو يعاني من إصابة في قدمه لم يستكمل علاجها، إضافة إلى إصابته بارتفاع ضغط الدم. ولم تعرف عائلته مصيره إلا بعد زيارة محاميته غيد قاسم له للمرة الأولى في 6 مارس/آذار 2025، والتي استمرت 50 دقيقة، وأبلغها خلالها أنه خضع لجلسات تحقيق متعددة، استمرت إحداها 13 ساعة متواصلة، وتعرض خلالها لضغوط شديدة لانتزاع اعترافات قسرية بتهم لم يرتكبها، ما أدى إلى كسر في أضلاعه، ورضوض في قفصه الصدري، وضعف في النظر بإحدى عينيه.

“لا أعرف تهمتي”، بهذه الكلمات ردّ الطبيب أبو صفية على سؤال مراسل القناة الإسرائيلية “13”، حين ظهر لأول مرة في تسجيل بثته وسائل إعلام إسرائيلية في فبراير/شباط 2025، مكبل اليدين والقدمين، بملامح إرهاق شديد، بعد تعرضه للتعذيب والتجويع.
وجاءت الأسئلة التي وُجهت له غير مهنية ومنحازة، وأشبه بامتداد لسلسلة التحقيقات القسرية، في محاولة لانتزاع اعتراف أمام الكاميرا.
فعندما سأله المراسل: “لماذا سمحتم لهم بالدخول إلى المستشفى؟” في إشارة إلى المقاومين، رد أبو صفية: “أنا أوصل رسالة إنسانية، ومن كان عندي أناس عاديين”، مضيفًا في سؤال آخر: “المستشفى بلا سور ويقع في الشارع، كنت أحافظ على المبنى ونقدّم الخدمات الإنسانية”.
وبالتوازي مع تصاعد الحملات العالمية المطالِبة بالإفراج عن الطبيب أبو صفية، وانطلاق الحملة الدولية “الأشرطة الحمراء” للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين، شرع الاحتلال في حملة تشويه ممنهجة استهدفت صورته.

وساندت صحف أمريكية، مثل نيويورك بوست وإنديان بوست وغيرها، الرواية الإسرائيلية، عبر نشر صور للطبيب خلال عمله السابق في الخدمات الطبية العسكرية، مرفقة باتهامات تصفه بأنه “قيادي في المقاومة”، في استدعاء لسرديات جاهزة لتبرير اعتقاله، متجاهلة أن اعتقاله جرى من داخل المستشفى وهو يرتدي معطفه الطبي، في دليل واضح على الجريمة المرتكبة بحقه.
وتحت عنوان: “طبيب غزة الذي انتقد (إسرائيل) بشدة في مقالات رأي بصحيفة نيويورك تايمز عقيد في حماس”، نشرت نيويورك بوست تقريرًا نقلًا عن مصادر عبرية أو في جيش الاحتلال، في محاولة لتشويه صورة الطبيب، متضمنة انتقادات لصحيفة نيويورك تايمز التي نشرت مقالين لأبو صفية بصفته طبيب أطفال، الأول في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والثاني في 2 ديسمبر/كانون الأول 2024.
أيقونة الصمود
وشكلت حملات التضامن الدولية المطالِبة بالإفراج عن د. أبو صفية، كما يقول نجله إلياس في مقابلة خاصة لصحيفة "فلسطين": "ضغطًا كبيرًا على الاحتلال الإسرائيلي، وأسهمت في كشف صورته الحقيقية أمام العالم، ولا سيما ممارساته الوحشية بحق الأسرى، وخصوصًا الكوادر الطبية. وإن جيش الاحتلال لجأ إلى نشر ادعاءات كاذبة تتناقض مع حقيقة أن والده أسير طبيب، شأنه شأن نحو 375 طبيبًا معتقلًا داخل السجون الإسرائيلية، اعتُقلوا فقط لأنهم كانوا يؤدون واجبهم الإنساني في تقديم الخدمة الطبية.

الحملات الإسرائيلية التي يقودها الإعلام العبري لتشويه رمزية والده، يعدها إلياس "ردّ فعل سياسي وإعلامي متأخر على تصاعد الضغط الدولي وتزايد التعاطف مع قضيته الإنسانية، مؤكدًا أن الإعلام العبري حاول نقل النقاش من جوهر الجريمة الإنسانية إلى استهداف الشخصيات الرمزية، خصوصًا الفلسطينية، وعلى رأسها النخب الطبية".
وردًا على صورة نُشرت لوالده يظهر فيها ضمن كوادر الخدمات الطبية العسكرية، يوضح إلياس أن والده كان موظفًا رسميًا في السلطة الفلسطينية، خدم في رام الله والضفة الغربية، وعُيّن في جهاز الخدمات الطبية العسكرية، وهو جهاز يتبع مباشرة لوزارة الصحة الفلسطينية. وأكد أن والده موظف شرعي، كغيره من الأطباء المدرجين على قوائم وزارة الصحة الفلسطينية، عمل على خدمة المتقاعدين والمدنيين، في مسيرة طبية مهنية بحتة لا علاقة لها بأي نشاط عسكري أو تحريضي، خلافًا لما يروّجه الإعلام العبري.
وبعد مرور أكثر من 430 يوما على اعتقال أبو صفية ، لا تزال لائحة النيابة العامة الإسرائيلية «نظيفة» وخالية من أي تهم، وفق ما أكده للعائلة "جميع المحامين الذين تابعوا القضية وزاروه ومثّلوه قانونيًا أمام المحكمة العليا والنيابة الإسرائيلية".
ويعلق إلياس "لو كانت الادعاءات التي يروّجها جيش الاحتلال صحيحة، لكانت استُخدمت كتبرير قانوني لاحتجاز والدي داخل السجون، فحتى القانون الإسرائيلي لم يعترف بهذه الادعاءات، ما يدفع الاحتلال إلى محاولات فاشلة لتضليل الرأي العام وتخفيف الضغط الدولي المتزايد على الجيش وإدارة السجون ودولة الاحتلال عمومًا.
وتابع بنبرات فخر: "أبي طبيب كان يقدّم الخدمة الطبية والإنسانية، وبقي على رأس عمله رغم استشهاد ابنه وإصابته أثناء أداء واجبه داخل المستشفى. لم يخذل مرضاه، وأصبح أيقونة فلسطينية بفعل موقفه الإنساني والمهني، وهذه الرمزية نابعة من كونه طبيبًا بقي على رأس عمله في أحلك الظروف، رغم القصف والتهديد والجوع وشح الإمكانات".
بينما يقبع الطبيب أبو صفية أسيرا للإصابة والمرض والألم خلف القضبان ويشن عليه عمليات تضليل ويتهم طبيب الأطفال بأنه "مقاتل غير شرعي"، تعيش زوجته إلبينا سعد الله أبو صفية في ظروف نفسية عصيبة، إذ لم تعتد تركه منذ أن ارتبطت به قبل 27 سنة، فلم تكن تعرف فلسطين ولا غزة، إلا عندما تزوجت الدكتور حسام أبو صفية قادمة من كازاخستان أثناء دراسته للطب هنا. فكان لها وطنًا وشريك حياةٍ وهبته قلبها كما وهبت غزة حبها وعاشت فيها عمرًا وحياة.
رافقته بمحطات كثيرة وحروبٍ عديدة، عاشت معه التجويع والتشرد والحصار حتى آخر اللحظات بمستشفى كمال عدوان.
كانت إلبينا شاهدةً على تفاني زوجها وإخلاصه في عمله، فلم يترك المرضى والمصابين وأصرَّ على توفير "ممر آمن لهم". فقدت نجلهما إبراهيم (20 عامًا) وواصل عمله حتى اعتقاله.
في قلب الإبادة وبمحيط سكني مدمر أصبح مهجورًا بلا معالم حياة، وقف الطبيب أبو صفية كالجبل لم يتزحزح، يعكس وجهًا من أوجه صمود غزة أمام الإبادة.
"في 27 ديسمبر/ كانون أول 2024، كان الوضع صعبًا، وكان لدينا تنسيق مع منظمة الصحة العالمية وجيش الاحتلال الإسرائيلي بأننا سننتقل مع المرضى والمصابين للمستشفى الإندونيسي بتوفير سيارات إسعاف وإكمال عملنا هناك. وكنا جاهزين للخروج، وقبلها بليلة كان القصف شديدًا بمحيط المستشفى واستهدف أقسام الأرشيف والمختبر والصيانة وغرف العمليات بالمشفى".
هذه واحدة من أصعب ليال الحصار التي عاشتها إلبينا سعد الله أبو صفية مع زوجها د. حسام، تروي تفاصيلها في مقابلة خاصة مع صحيفة "فلسطين" عن زوجها الذي أصبح أيقونة للصمود والعمل الإنساني.
الاعتقال والدرع البشري
مغرب اليوم، وصلت سيارة إسعاف لمستشفى كمال عدوان لنقل التمريض والنساء والمرضى، وشاحنة لنقل المولد الكهربائي والوقود وبعض الأدوية. لكن الاحتلال غير من تفاصيل الاتفاق، تقول: "طلبوا من النساء التوجه للمشفى الإندونيسي، وأخبرونا أن زوجي د. حسام سيلتحق بنا مع المرضى، فخرجنا الساعة السابعة والنصف صباحًا، ووصلنا المشفى، وبقينا ننتظر حضور الطاقم كاملا". الساعة العاشرة والنصف ليلاً، توقفت حافلة أمام مشفى الإندونيسي الخالي من أي مقومات حياة أو معدات.
"وصلت الحافلة التي تحمل المولد والوقود، سألنا السائق عن مصير الطاقم الطبي وزوجي د. حسام والمصابين والمرضى، فأخبرنا أن جيش الاحتلال اعتقلهم وأرسلهم إلى مدرسة الفاخورة للتحقيق"، تضيف.
تعرض زوجها لأربع محاولات اغتيال متعمدة. بالمرة الأولى أسقط الاحتلال قنبلة من طائرة مسيرّة (كواد كابتر)، فغير مكان مكتبه، فقاموا بإرسال مسيرّة أخرى وألقت قنبلة تعرض خلالها للإصابة بقدمه.
ورغم انتقاله لمكان ثالث إلا أنهم كانوا يراقبون تحركه فأطلقوا عليه قنبلة نجى منها، فنقل مكتبه للمخزن وجرى استهدافه بقنبلة رابعة. هذا ما يجعل زوجته غير مطمئنة على وجوده بالمعتقل، يغلف القلق صوتها: "بداخل المشفى لاحقوه ودائما كانت تأتي المسيرات للنوافذ التي يتواجد بقربها. كان الهدف اغتياله، فقط لأن له مطلب إنساني يطلب منهم تأمين خروج المرضى والمصابين".

رزق الزوجان بستة أبناء كانوا ثمرة ارتباط امتد لأكثر من 27 عامًا عاشا فيها في حبٍ وصبر وتضحية. في 24 أكتوبر/ تشرين أول 2024، عندما أرسلت نجلها "إبراهيم" لإحضار بعض الأغراض من السوق في وقت العصر، وكان محيط المشفى وقتها مليء بالأهالي والنازحين، حدث استهدافات مستمرة من الاحتلال للسوق وبيت مجاور المستشفى خلف شهداء ومصابين، وانقطع اتصالها بنجلها.
مع صعوبة الخروج من المشفى بسبب استمرار القصف وإطلاق النار من مسيرّات الاحتلال، دق القلق مساميره بداخل قلبها خوفًا على نجلها رغم أن البيت المستهدف لا يبعد سوى 100 متر عن المشفى.
تطبق التفاصيل على أنفاس ذاكرتها: "ونحن نعيش القلق، والساعة الثالثة والنصف فجرًا، يوم 25 أكتوبر ذاته، اقتحموا المشفى من كل الجهات ورافقه قصف وإطلاق نار، فأخرجوا النازحين ومرافقي المرضى، وبقي المرضى ممن لا يستطيعوا المشي بدون مرافقين، وفتشوا المشفى".
تشعر بعمق الحزن الذي يحتل قلبها، تحكي: "صباح السبت الموافق 26 أكتوبر، بدأ الناس ينقلون جثامين الشهداء الساعة العاشرة صباحًا، بدأ الناس ينادون على الدكتور بعدما أحضروا جثمان ابني "إبراهيم"، كانت صدمة كبيرة لنا. استشهد بقصف المبنى الذي دخل إليه بعد قصف السوق، لو بقي معنا قبلها بيوم لكان نزح مع المرافقين والنازحين الذين أخرجهم الاحتلال من المشفى ومن بينهم أخوته إلياس وإدريس".
درس د. حسام أبو صفية، الطب العام في كازاخستان عام 1996، وأكمل دراسة الماجستير والدكتوراه عامي 2003 و 2004 في الولادة الحديثة وحضانة الأطفال وحصل على البورد الفلسطيني عام 2015 في طب الأطفال.
أجبرته الحرب بسبب نزوح الطواقم الطبية، المشاركة بإسعاف المصابين، وشارك في الشهرين الآخرين قبل اعتقاله، وفق زوجته، بإجراء عمليات جراحية رفقة الدكتور سعيد جودة الذي استشهد خلال الحرب، وهو طبيب متقاعد تطوع في إجراء العمليات، وقاموا بإجراء عمليات ضرورية، وتخدير وغيرها من العمليات.
لا تقف حكاية الطبيب حسام أبو صفية عند حدود فردٍ واحد، بل تتحول إلى مرآة تعكس واقع آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، الذين يواجهون خلف القضبان صنوفًا قاسية من التعذيب الجسدي والنفسي مع تصاعد الإجراءات الإسرائيلية وحرمانهم من أبسط حقوق الحياة وتشريع قوانين قاسية بحقهم كالمصادقة على "قانون إعدام الأسرى"، وتحقيقات طويلة وضغوط قسرية، وإلى الإهمال الطبي والتجويع والعزل.
تحولت السجون لساحات تعذيب، واغتصاب باستخدام أدوات صلبة وكلابا بوليسية للعديد من الأسرى في أبشع صور للتعامل الإنساني، ومن أساليب التعذيب بحق أسرى غزة، إجراء العمليات الجراحية بدون تخدير وبتر الأطراف، والضرب المبرح والشبح واستخدام أسلحة الصقعة الكهربائية، وإطلاق الرصاص المطاطي، فضلا عن انتشار الأمراض كمرض الجرب الذي أصاب آلاف الأسرى.
إضافة للتعذيب الجسدي بالضرب والشبح وحتى الاغتصاب، كل شيء داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية مُسخَّر للتعذيب؛ فالإصابة تُستَخدم أداة للألم كما جرى مع الطبيب أبو صفية الذي لطالما عالج المصابين ولا يجد من يسكت ألم إصابته، كما يُوظَّف البرد القارس عبر التعرية أو سحب الأغطية، ويُستغل المرض بمنع الدواء حتى تتحول حبة المسكن "الأكامول" إلى أمنية داخل الزنزانة. وحتى الطعام، الرديء أصلًا، يصبح وسيلة حرمان، وكذلك المرحاض.
ولا تزال حالة الطوارئ مفروضة داخل السجون الإسرائيلية، وتزداد القيود والعقوبات القاسية بحق أسرى غزة الذين يتعرضون للتعذيب والضرب والقمع والتقييد المستمر، ويبلغ عددهم 2000 أسير من قطاع غزة لا يزالون يتعرضون للتنكيل، حتى باب أبو صفية وبقية الأسرى "في عالم المنسيين" وكأن الاحتلال يقوم بقتله بشكل بطيء داخل السجون، كما قتل عشرات الأسرى دون أن يعرف أحد شيئا عنهم، ويبقى د. أبو صفية لأكثر من عام داخل السجن دون أن يعرف تهمته، ويواجه خطر الموت لأجل إسعافه للمصابين وعلاجه للأطفال.

