ظلّ صامدًا في شمال قطاع غزة، رافضًا النزوح وترك المرضى والمصابين إلا بتوفير “ممر آمن” لهم. لم يرضخ للتهديدات الإسرائيلية، ودافع عن مهنته الإنسانية في أقسى الظروف، حين كانت الدبابات تقف على مقربة من المستشفى، وحين كان الموت أقرب إليه من الحياة، في حين كان القصف وإطلاق النار يطوقان المكان.
هكذا عكس الدكتور حسام أبو صفية وجهًا من وجوه صمود غزة في مواجهة الإبادة، بعدما تُرك وحيدًا مع الطاقم الطبي بلا مقومات أساسية من دواء أو طعام أو ماء. وفي آخر صرخة له قال: “نحن نموت ولا أحد يشعر بنا”.
ورغم مرور أكثر من عام على اعتقاله، وتدهور حالته الصحية، وتصاعد الحملات التضامنية المطالِبة بالإفراج عنه، واصل الاحتلال معاقبة الطبيب بكل الوسائل، من التعذيب الجسدي والنفسي، إلى محاولات تشويه صورته ورمزيته العالمية كأيقونة للصمود والإنسانية.
ولا تزال صورته التي التُقطت فجر 27 ديسمبر/كانون الأول 2024، وهو يرتدي معطفه الأبيض، يشق طريقه شامخًا وسط الركام والدمار، متجهًا نحو آلية عسكرية إسرائيلية اعتقلته واقتادته إلى معسكر “سديه تيمان” ثم إلى سجن “عوفر”، محفورة في الذاكرة الجمعية والرأي العام الدولي، في مشهد يحاول الاحتلال طمسه عبر إلصاق تهم مختلقة به.
وتعرّض الطبيب أبو صفية للاعتقال وهو يعاني من إصابة في قدمه لم يستكمل علاجها، إضافة إلى إصابته بارتفاع ضغط الدم. ولم تعرف عائلته مصيره إلا بعد زيارة محاميته غيد قاسم له للمرة الأولى في 6 مارس/آذار 2025، والتي استمرت 50 دقيقة، وأبلغها خلالها أنه خضع لجلسات تحقيق متعددة، استمرت إحداها 13 ساعة متواصلة، وتعرض خلالها لضغوط شديدة لانتزاع اعترافات قسرية بتهم لم يرتكبها، ما أدى إلى كسر في أضلاعه، ورضوض في قفصه الصدري، وضعف في النظر بإحدى عينيه.
“لا أعرف تهمتي”، بهذه الكلمات ردّ الطبيب حسام أبو صفية على سؤال مراسل القناة الإسرائيلية “13”، حين ظهر لأول مرة في تسجيل بثته وسائل إعلام إسرائيلية في فبراير/شباط 2025، مكبل اليدين والقدمين، بملامح إرهاق شديد، بعد تعرضه للتعذيب والتجويع.
وجاءت الأسئلة التي وُجهت له غير مهنية ومنحازة، وأشبه بامتداد لسلسلة التحقيقات القسرية، في محاولة لانتزاع اعتراف أمام الكاميرا. فعندما سأله المراسل: “لماذا سمحتم لهم بالدخول إلى المستشفى؟” في إشارة إلى المقاومين، رد أبو صفية: “أنا أوصل رسالة إنسانية، ومن كان عندي أناس عاديين”، مضيفًا في سؤال آخر: “المستشفى بلا سور ويقع في الشارع، كنت أحافظ على المبنى ونقدّم الخدمات الإنسانية”.
حملة تشويه
وبالتوازي مع تصاعد الحملات العالمية المطالِبة بالإفراج عن الطبيب أبو صفية، وانطلاق الحملة الدولية “الأشرطة الحمراء” للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين، شرع الاحتلال في حملة تشويه ممنهجة استهدفت صورته. وساندت صحف أمريكية، مثل نيويورك بوست وإنديان بوست وغيرها، الرواية الإسرائيلية، عبر نشر صور للطبيب خلال عمله السابق في الخدمات الطبية العسكرية، مرفقة باتهامات تصفه بأنه “قيادي في المقاومة”، في استدعاء لسرديات جاهزة لتبرير اعتقاله، متجاهلة أن اعتقاله جرى من داخل المستشفى وهو يرتدي معطفه الطبي، في دليل واضح على الجريمة المرتكبة بحقه.
وتحت عنوان: “طبيب غزة الذي انتقد (إسرائيل) بشدة في مقالات رأي بصحيفة نيويورك تايمز عقيد في حماس”، نشرت نيويورك بوست تقريرًا نقلًا عن مصادر عبرية أو في جيش الاحتلال، في محاولة لتشويه صورة الطبيب، متضمنة انتقادات لصحيفة نيويورك تايمز التي نشرت مقالين لأبو صفية بصفته طبيب أطفال، الأول في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والثاني في 2 ديسمبر/كانون الأول 2024.
وترى الصحفية في جريدة المصري اليوم، والمتخصصة في شؤون الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، إنجي عبد الوهاب، أن هذه الحملة تهدف إلى إخماد الأصوات العالمية المطالبة بالإفراج عن أبو صفية.
المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، إنجي عبد الوهاب
وقالت عبد الوهاب لـ "فلسطين أون لاين": “رأينا كيف جرى اعتقال الطبيب أبو صفية من داخل المستشفى وهو يرتدي معطفه الطبي، ولم يثبت أنه مارس أي عمل عسكري، إذ لم تُظهر كاميرات الاحتلال، التي لا تفارق سماء القطاع، أي دليل يدعم هذه الادعاءات. نحن أمام حملة مضادة لتقويض مطالب الإفراج عنه، وهي أسلوب متكرر يتبعه اللوبي الصهيوني بأذرعه الإعلامية”.
وأضافت أنه بعد قضية مقتل الطفلة هند رجب، التي باتت تفاصيلها معروفة في الغرب، أصبح أبو صفية الرمز الإنساني الثاني عالميًا لطبيب يؤدي واجبه تحت النار، ما دفع الاحتلال إلى تشويه صورته وإلصاق تهم بطبيب نبيل اختار البقاء وسط الجرحى والمصابين، وهو يدرك أن الموت لا يبعد سوى خطوات.
زرع الشك
من جهته، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج أن الطبيب أبو صفية يمثل فشلًا مركبًا للرواية الإسرائيلية، فهو ليس مقاتلًا ولا سياسيًا ولا ناشطًا حزبيًا، بل طبيب أطفال ومدير مستشفى يعمل تحت القصف والحصار، ما يسقط الادعاء المركزي للاحتلال بأن ما يجري “حرب أمنية” ضد تنظيم مسلح.
وقال الحاج لـ"فلسطين أون لاين": “حين يتحدث طبيب أطفال عن موت الرضّع، ونفاد الكهرباء، وانهيار النظام الصحي، تصبح كل محاولة لتبرير القصف كضرورة أمنية ضعيفة ومحرجة، لذلك يُعاد تعريفه قسرًا من طبيب إلى مشتبه به، ومن شاهد مهني إلى واجهة تنظيمية”.
المختص في الشأن الإسرائيلي، أمين الحاج
وأوضح أن نشر صورة له بلباس الخدمات الطبية العسكرية لا يهدف لإثبات حقيقة، بل لزرع الشك وتلويث صورته أخلاقيًا، تمهيدًا لنزع الحماية الرمزية عنه، معتبرًا أن هذا الأسلوب جزء من سياسة أوسع مفادها أن الفلسطيني لا يُسمح له بأن يكون مدنيًا خالصًا مهما كانت مهنته.
وأضاف أن رمزية أبو صفية لا تقوم على البطولة، بل على المصداقية المهنية، مشيرًا إلى أن كتاباته في نيويورك تايمز نقلت صورة غزة من لغة السياسة إلى لغة الطب والوقائع اليومية، وحوّلت الطفل الفلسطيني من رقم في نشرة إخبارية إلى جسد يُفحص ويُعالج ويموت، ما كسر احتكار “الخبير الغربي” للرواية، وضرب الاحتلال في أكثر نقاطه حساسية: شرعيته الأخلاقية.
وأكد الحاج أن شهادة أبو صفية تفضح التناقض بين ادعاءات “الجيش الأخلاقي” وواقع المستشفيات، وتفكك ثنائية “مدني/مقاتل” التي تقوم عليها الرواية الأمنية الإسرائيلية، وتحول المستشفى من “درع بشري” إلى شاهد اتهام. لذلك، تُشن الحرب على صورته، ثم على حريته، ثم على جسده، عبر التشويه، والاعتقال بلا تهمة، والإهمال الطبي الموثق.
وختم بالقول: “إن استهداف الأطباء الفلسطينيين لا يمكن فصله عن تقارير حقوقية إسرائيلية كشفت تورط أطباء إسرائيليين في تعذيب الأسرى الفلسطينيين والتغطية على ذلك بتقارير طبية زائفة، ما يحوّل الممارسة الطبية من فعل إنساني إلى أداة قمع. وفي المقابل، يظهر صحفيون إسرائيليون بلباس عسكري يرافقون الوحدات القتالية ويبررون القتل الجماعي، في ازدواجية فاضحة تؤكد أن المشكلة ليست في اللباس، بل في هوية من يرتديه”.