غزة، المدينة التي تحمل في كل شوارعها وأزقتها عبق التاريخ وصدمة الحصار، تظل المرأة فيها رمزًا للصمود في زمن الأزمات الإنسانية والسياسية، فمنذ سنوات طويلة والنساء الغزاويات يتحملن أعباء الحياة اليومية في ظل ظروف استثنائية تجعل من كل يوم معركة جديدة، فالحصار المستمر الذي فرض على القطاع أدى إلى انهيار شبه كامل للاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وأصبحت الأسر التي تعيلها نساء تشكل نسبة كبيرة من السكان، وهو ما يضع على كاهلهن مسؤوليات مزدوجة بين تأمين احتياجات الأسرة الأساسية والعمل لساعات طويلة أحيانًا في ظروف صعبة مع انقطاع الكهرباء والماء ونقص الخدمات الصحية.
فالمرأة في غزة ليست مجرد فرد ضمن المجتمع، بل هي عنصر أساسي لضمان استمرار الحياة وسط الصعوبات، فهي تعمل، وتربي الأطفال، وتدير شؤون البيت وتواجه القيود الاجتماعية في الوقت ذاته، إضافة إلى كونها كثيرًا ما تصبح المتحدث الرسمي باسم أسرتها أمام الجهات المانحة أو المؤسسات الخيرية لتأمين مساعدات غذائية أو دوائية، وفي مجال الصحة تواجه المرأة تحديات كبيرة، فالعيادات والمستشفيات تعاني من نقص الأدوية والمعدات الطبية، خاصة فيما يتعلق بالصحة الإنجابية والأمومة، ومع ذلك تسعى النساء لإنجاب وتربية أطفالهن وسط هذه الصعوبات، وتحاول الحفاظ على صحتها وصحة أسرتها رغم محدودية الموارد.
فكل زيارة لمستشفى أو صيدلية تتحول إلى اختبار للصبر والإرادة، ومن جهة التعليم، على الرغم من القيود الاقتصادية، تحرص النساء على إكمال تعليمهن ومتابعة تعليم أبنائهن، فالتعليم ليس مجرد حق، بل وسيلة للبقاء، وقد ظهرت على مدار السنوات الأخيرة مبادرات نسائية لتعليم الأطفال والشباب ضمن منظمات المجتمع المدني، ورغم نقص الموارد، تصنع المرأة فرصة للتعلم والمعرفة، وتعطي أملًا في مستقبل أفضل، كما أن المرأة في غزة تواجه العنف الأسري والتمييز الاجتماعي الذي يحد من مشاركتها في الحياة العامة، فالبعض ما يزال يرى أن مكان المرأة هو البيت فقط، ومع ذلك تجد نساء غزاويات يخرجن عن هذه القوالب التقليدية، ويبدعن في مجالات ريادة الأعمال والفنون والأدب والعمل المدني.
فمشاريع صغيرة لإنتاج المواد الغذائية أو الحرف اليدوية أو التعليم المنزلي للأطفال أصبحت وسيلة للمرأة لإظهار قدراتها والمساهمة في المجتمع، كما تلعب المرأة دورًا مهمًا في المؤسسات الإنسانية، حيث تعمل ضمن فرق توزيع المساعدات الغذائية والطبية، وتقوم بتنظيم ورش عمل لتوعية النساء بحقوقهن وتدريبهن على المهارات المهنية.
فالمرأة الغزاوية لم تعد مجرد متلقية للأزمات، بل أصبحت جزءًا فاعلًا في التعامل معها، تساهم في بناء مجتمعها وتمكينه، والقصص هنا كثيرة، فالأمهات اللواتي يقمن برعاية عدة أطفال بمفردهن بعد فقدان الزوج بسبب الحرب أو المرض، والفنانات اللواتي يقدمن أعمالًا فنية تروي واقع الحياة اليومية في غزة، والكاتبات اللواتي يسطرن التاريخ الشفهي للنساء اللواتي يعشن تحت الحصار، جميعهن يمثلن لوحة حية عن الصمود والتحدي، كما أن المرأة تشارك في الحياة الاجتماعية والثقافية، فهي تنظم أنشطة تعليمية للأطفال، وورش عمل حرفية، ومبادرات تطوعية لدعم الأسر الفقيرة، وهي بذلك تحافظ على الروابط الاجتماعية وتخفف من آثار الحصار على المجتمع ككل، ورغم كل هذه الجهود، فإن الضغوط النفسية والاقتصادية كبيرة، فالقلق الدائم على سلامة الأسرة، والنقص المستمر في المواد الغذائية والدوائية، وارتفاع تكاليف المعيشة تجعل المرأة في غزة تواجه تحديات يومية متواصلة، ومع ذلك يبرز عنصر الصمود والإبداع في كل هذه المواقف.
فتجد نساء يصنعن من الحزن قوة ومن المعاناة مصدر إلهام، كما أن المرأة في غزة تلعب دورًا سياسيًا مهمًا ضمن حدود ما تسمح به الظروف، فهي تشارك في الحملات المناصرة للقضية الفلسطينية على المستوى المحلي والدولي، وتساهم في رفع صوت المجتمع المدني على المستويات الإعلامية والاجتماعية، فالمرأة هنا ليست فقط صانعة حياة، بل صانعة وعي ووجود، وفي كل زاوية من المدينة هناك قصة صمود، امرأة تحارب من أجل أسرتها، فتاة تدرس رغم انقطاع الكهرباء، امرأة تقود مشروعًا صغيرًا يخفف من معاناة الآخرين، وفنانة تسجل الحياة اليومية بأسلوب يحفظ ذاكرة المجتمع، فغزة والمرأة معًا تمثلان قصة لا تنتهي عن القدرة على مواجهة الظروف المستحيلة، فهي ليست مجرد معاناة، بل قوة وصبر وإبداع مستمر، وقوة دفع للمجتمع بأكمله.
ورغم الصعوبات الصحية والنفسية والاجتماعية، تظل المرأة الغزاوية قلب الصمود النابض، وهي شاهدة على كل حدث، وموثقة لكل لحظة، ورافعة لروح الأمل، ففي زمن الحصار والأزمات الإنسانية، تبقى *المرأة في غزة رمزًا لا يموت للصمود والإبداع والمثابرة على الحياة، وهي تذكر العالم بأن الحياة يمكن أن تستمر وأن الإنسان قادر على مواجهة كل التحديات، فالمرأة الغزاوية ليست فقط ضحية للظروف، بل صانعة للتغيير، ومصدر إلهام لكل من يعرف قصتها.

