في محاولة واضحة لخلط الأوراق أمام الأطراف الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار وعرقلة الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي جريمة هي الأشد ضمن مسلسل خروقاته المستمرة منذ توقيع الاتفاق في أكتوبر الماضي.
وشملت المجازر التي نفذها الاحتلال أمس استهداف مركز تابع لجهاز الشرطة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، ما أسفر عن ارتقاء 16 شهيدًا وإصابة آخرين، بالتزامن مع سلسلة استهدافات في مناطق متفرقة من القطاع.
وجاءت هذه الجريمة في توقيت بالغ الحساسية، إذ كان من المقرر إعادة فتح معبر رفح البري جنوب القطاع في كلا الاتجاهين، ووصول لجنة إدارة غزة لتسلّم مهامها ضمن استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
سبقت ذلك تحركات فلسطينية لتسهيل الانتقال إلى المرحلة الثانية، إذ أعلنت حركة حماس، بمشاركة الفصائل الوطنية الفلسطينية وبالتنسيق مع الأمم المتحدة، قبل أيام، تشكيل غرفة وطنية تهدف إلى تنظيم عملية انتقال الحكم في غزة. وعقدت الغرفة اجتماعًا موسعًا الأربعاء الماضي، اعتمدت خلاله الإطار العام لعملها واستعرضت تفاصيل المرحلة الانتقالية وترتيبات نقل الحكم، بما يضمن إدارة شؤون القطاع بشكل منظم ويخفف من الأعباء الإنسانية والخدماتية المتراكمة منذ سنوات، والتي تفاقمت بفعل الحرب الأخيرة.
طالع أيضًا: الحية يؤكد للوسطاء التزام المقاومة باتفاق وقف النار ما التزم الاحتلال ببنوده
ويرى الكاتب والمحلل السياسي تيسير محيسن أن الاحتلال غير قادر على تقبل مسار التهدئة والضغط الدولي المنوط به من الوسطاء لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
وقال محيسن لصحيفة "فلسطين": "يبدو أن الاحتلال غير جاهز لقبول متطلبات المرحلة الثانية، ما دفعه إلى تصعيد وتيرة الخروقات، التي لم تتوقف منذ بدء تطبيق الاتفاق".
وأضاف: "تزامن الخروقات مع إصرار الطرف الفلسطيني – حركة حماس والفصائل – على المضي في مسار التهدئة دفع الاحتلال إلى استهداف مركز الشرطة دون سابق إنذار، ما أسفر عن عدد كبير من الشهداء والجرحى".

وأكد محيسن أن هذه الجريمة تأتي كجزء من محاولة الاحتلال لخلط الأوراق أمام اللاعبين الأساسيين في المشهد السياسي، مضيفًا: "لكن جميع الجهات معنية بالدخول إلى المرحلة الثانية، وما سيحدث فقط هو احتجاجات للوسطاء، وتحديدًا الإدارة الأمريكية، لكن في المحصلة لا مفر من تنفيذ الاتفاق".
وبيّن أن الاحتلال يتذرع دائمًا بأسباب واهية لتبرير جرائمه، منها الادعاء بوجود مطلوبين في مكان الاستهداف، مشددًا على ضرورة وجود قناعة لدى الأطراف المشرفة على مسار التهدئة، وخاصة الوسيط المصري، لضمان التزام الاحتلال بواجباته.
وعلى صعيد موازٍ، اعتبر محيسن أن التحركات الفلسطينية تمثل امتدادًا للحراك السياسي الذي بدأ بالتوازي مع التوصل إلى اتفاق التهدئة، مؤكدًا أن حماس أبدت "استجابة عالية المسؤولية" تجاه متطلبات إنجاح التهدئة والانتقال إلى المرحلة التالية بعد المرحلة الأولى من الاتفاق.

لحظة استهداف طائرات الاحتلال مبنى إدارة مخيم غيث في خان يونس، أمس السبت.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تقوم على تمكين ما تم الاتفاق عليه، وعلى رأسه تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة شؤون غزة في مرحلة انتقالية، تتولى مهام الإغاثة، إعادة تفعيل المؤسسات الخدمية، دعم القطاعات الحيوية، والتمهيد لبرامج إعادة الإعمار، بما يسهم في استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وأكد محيسن أن نجاح هذه اللجنة يتطلب التفافًا وطنيًا وفصائليًا واسعًا، لتوفير حاضنة سياسية وشعبية داعمة، قادرة على تسهيل مهامها الثقيلة في ظل حجم الدمار والأزمات المتراكمة.
وشدد على أن القرار الفلسطيني ومستقبل غزة يجب أن يكونا فلسطينيين خالصين، دون أي فرض لأجندات خارجية تتناقض مع الرؤية الوطنية الجامعة، وهو موقف نقل إلى الأمم المتحدة وأصبح أحد ثوابت المرحلة الحالية.
وختم محيسن بالإشارة إلى أن السيناريو المرجح يتضمن مزيدًا من العراقيل الإسرائيلية، يقابلها إصرار فلسطيني وحرص من الوسطاء على المضي قدمًا في تنفيذ التهدئة، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني، الذي تحمل الكثير، لا يملك خيارًا سوى مواصلة الصمود للخروج من هذه الأزمة المعقدة.

