قائمة الموقع

بعد قطع خط “ميكروت” نقص المياه في مدينة غزة ينذر بكارثة صحية وبيئية وشيكة

2026-02-01T11:35:00+02:00
نصيب الفرد اليومي من المياه انخفض من 90–95 لترًا قبل الحرب إلى أقل من 5 لترات حاليًا
فلسطين أون لاين

تواجه مدينة غزة واحدة من أخطر أزماتها الإنسانية، بعد انقطاع إمدادات المياه عن أكثر من 85% من مساحتها منذ 15 يومًا، عقب قطع الاحتلال الإسرائيلي خط المياه الرئيس “ميكروت”، ما ينذر بتداعيات صحية وبيئية كارثية في ظل الاكتظاظ السكاني والانهيار شبه الكامل للبنية التحتية.

وقال المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا إن أزمة المياه تفاقمت بشكل غير مسبوق منذ توقف ضخ المياه عبر خط “ميكروت” القادم من الداخل المحتل، موضحًا أن الخط يُعد المصدر الأساسي للمياه في المدينة بعد تدمير غالبية مصادرها خلال حرب الإبادة التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبيّن مهنا أن جيش الاحتلال دمر أكثر من 150 ألف متر طولي من شبكات المياه، وأربعة خزانات رئيسية، و72 بئرًا، إضافة إلى خروج محطة التحلية شمال غرب غزة عن الخدمة، ما تسبب بعجز يتجاوز 90% في مصادر المياه المتاحة للسكان.

وأضاف أن نحو مليون مواطن ونازح يقيمون حاليًا داخل مدينة غزة، في مبانٍ مدمرة جزئيًا، ومراكز إيواء مكتظة، وشوارع ضيقة، وسط تراجع حاد في القدرة على توفير المياه للاستخدامات الأساسية، حيث انخفض نصيب الفرد اليومي من 90–95 لترًا قبل الحرب إلى أقل من 5 لترات حاليًا، وهو مستوى لا يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية.

وأشار مهنا إلى أن أزمة المياه تتزامن مع تكدس النفايات وطفح مياه الصرف الصحي، نتيجة تدمير البنية التحتية، ما خلق واقعًا بيئيًا شديد الخطورة، تفاقم مع غياب كميات كافية من المياه اللازمة للتنظيف والتعقيم، محذرًا من انتشار الأوبئة والأمراض.

وأوضح أن مدينة غزة كانت تعتمد قبل الحرب على 86 بئرًا للمياه، لم يتبقَ منها سوى 20 بئرًا تعمل بقدرة محدودة، بسبب نقص الوقود، وانقطاع الكهرباء، ومنع الاحتلال إدخال الزيوت والبطاريات وأنظمة الطاقة البديلة اللازمة لتشغيل المولدات.

وأكد أن الاحتلال يعيق وصول طواقم بلدية غزة إلى المناطق الشرقية لإصلاح خط “ميكروت”، مبينًا أن أعمال الصيانة تحتاج إلى ثلاثة أيام متواصلة، في حال السماح بالوصول الآمن.

وأشار مهنا إلى أن البلدية تحاول التخفيف من حدة الأزمة عبر تشغيل بعض الآبار الخاصة، وتسيير صهاريج متنقلة لتزويد الأحياء المتضررة، واصفًا هذه الجهود بأنها “حلول إسعافية مؤقتة” لا ترقى إلى حجم الكارثة المتفاقمة.

من جهته، حذر مدير دائرة صحة البيئة في وزارة الصحة م.أيمن الرملاوي من التداعيات الصحية الخطيرة لأزمة المياه، مؤكدًا أن تراجع نصيب الفرد من المياه يؤثر بشكل مباشر على النظافة الشخصية، وقد يؤدي إلى انتشار الأمراض.

وأوضح الرملاوي أن تدمير شبكات الصرف الصحي تسبب باختلاط مياهها مع مياه الأمطار، ما يشكل خطرًا جسيمًا في حال تسربها إلى الخزان الجوفي، المصدر الرئيسي للمياه في المدينة، محذرًا كذلك من تلوثه بعصارة النفايات الصلبة المنتشرة في الشوارع.

وأشار إلى أن كميات “الكلور” المتوفرة لتعقيم المياه غير كافية، ما يصعّب ضمان وصول مياه آمنة وخالية من الميكروبات وفق معايير منظمة الصحة العالمية.

حي الزيتون… صورة مكثفة للأزمة

في أحياء جنوب شرق مدينة غزة، وتحديدًا حي الزيتون، تتجسد أزمة المياه بأقسى صورها. فالمياه مقطوعة عن مناطق واسعة مثل دولة، والسوافيري، والسموني، وشارعي 8 و10، نتيجة تدمير شبكات المياه والطرق دون تنفيذ أي إصلاحات حتى الآن.

يقول المواطن صلاح السموني، الذي يعيش مع نحو 40 عائلة في خيام جنوب شرق الحي، إنهم لم يحصلوا على مياه عذبة منذ أكثر من 20 يومًا، ويعتمدون على مياه مالحة تُستخرج بجهود فردية، تسببت بإصابات صحية للأطفال وكبار السن، ما اضطرهم لمراجعة المستشفيات.

ويضيف أن السكان يضطرون لقطع مسافة تقارب نصف كيلومتر سيرًا على الأقدام للحصول على جالون واحد من المياه العذبة، في مهمة مرهقة تفوق طاقتهم.

من جانبه، يؤكد ناصر عاشور من منطقة دولة أن المياه مقطوعة عن منطقته منذ أكثر من 15 يومًا، وأن حتى عربات المياه لم تعد تجد نقاط تعبئة. ويشير إلى وجود بئر مياه غير قابل للتشغيل لعدم توفر مولد كهربائي أو وقود، في ظل غياب أي حلول رسمية.

مبادرات فردية وسط الانهيار

في محاولة لسد الفجوة، يقود ناشطون ومبادرون محليون، من بينهم ميسرة عرفات، جهودًا أهلية لتشغيل آبار بشكل إسعافي، عبر توفير السولار لتشغيل نحو عشرة آبار في حي الزيتون ومناطق مجاورة، إضافة إلى توزيع مياه الشرب عبر عدد محدود من الشاحنات.

ويؤكد عرفات أن كثيرًا من السكان عادوا للعيش فوق ركام منازلهم أو في خيام قريبة منها، مشددًا على أن توفير المياه هو الحد الأدنى من مقومات الصمود والبقاء

كارثة تلوح في الأفق

ووفق بيانات رسمية، فإن أكثر من 85% من مرافق المياه والصرف الصحي في قطاع غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما يعاني نحو 85% من سكان مدينة غزة من عدم الحصول المنتظم على مياه نظيفة، مع عجز يقدّر بنحو 75% من الاحتياج الفعلي.

وتحذّر بلدية غزة ووزارة الصحة من أن استمرار الأزمة دون تدخل عاجل لإصلاح الشبكات، وإعادة تشغيل الآبار، وضمان إدخال الوقود والمستلزمات الأساسية، سيقود إلى كارثة صحية وبيئية غير مسبوقة، تهدد حياة مئات الآلاف في واحدة من أخطر أزمات المياه بتاريخ المدينة.

اخبار ذات صلة